الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

قرن من دورات الصراع... والبحث عن محطة التبريد

قرن من دورات الصراع... والبحث عن محطة التبريد

تاريخ النشر: 2026-08-23 | 01:06

بشار مرشد
بشار مرشد

حين يمتد بصر المؤرخ في مسار القضية الفلسطينية والمنطقة منذ ما يقارب قرناً من الزمن، وتحديداً منذ ثورة البراق عام 1929، يلحظ نمطاً متكرراً في مسار الصراعات الكبرى، انفجار واسع، يليه استنزاف طويل، ثم محطة تهدئة أو تسوية مؤقتة تعيد ترتيب المشهد الإقليمي والدولي، قبل أن تتراكم أسباب الانفجار من جديد. ليس المقصود هنا الحديث عن دورة زمنية ميكانيكية يمكن التنبؤ بمواعيدها بدقة، وإنما عن إيقاع تاريخي متكرر تحكمه طبيعة الصراع واختلال موازين القوى وعجز التسويات الجزئية عن معالجة جذوره، فمنذ ثورة البراق، مروراً بالنكبة والنكسة والانتفاضات الفلسطينية المتعاقبة، وصولاً إلى صراعات القرن الحادي والعشرين، ظل الشرق الأوسط ينتقل من انفجار إلى استنزاف، ومن استنزاف إلى ترتيبات مؤقتة، دون أن يصل إلى تسوية نهائية تنهي أسباب الصراع. ومن هنا، فإن الأزمات الكبرى التي تعصف بالشرق الأوسط اليوم لا يمكن قراءتها بمعزل عن هذه السيرورة التاريخية، ولا عن التحولات التي يشهدها النظام الدولي، فالعالم يعيش مرحلة انتقالية تشبه، في بعض جوانبها، المراحل التي أعقبت الحروب الكبرى أو نهاية الحرب الباردة ، مرحلة تتراجع فيها قدرة نظام دولي أحادي على فرض قواعده منفرداً، بينما تتقدم مراكز قوة متعددة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وروسيا والصين، لإعادة تعريف قواعد النفوذ والأمن والاقتصاد. وفي مثل هذه المراحل الانتقالية، تصبح الحروب الطويلة أكثر كلفة على الجميع، ليس فقط بسبب الخسائر البشرية والعسكرية، وإنما بسبب انعكاساتها على التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد والأمن الإقليمي، ومع تراكم الاستنزاف، تبرز الحاجة إلى ما يمكن تسميته الإنهاك المتبادل أي اللحظة التي يدرك فيها المتصارعون، ومعهم القوى الدولية الراعية والمؤثرة، أن استمرار الحرب أصبح أقل جدوى من الانتقال إلى ترتيبات مؤقتة تضبط الصراع وتحمي المصالح الأساسية. وهنا تظهر أهمية مفهوم (محطة التبريد). فالتبريد لا يعني انتهاء الصراع، وإنما خفض مستوى حرارته بما يكفي لمنع الانفجار الشامل، وفتح المجال أمام إعادة توزيع الأدوار والنفوذ، وقد تكون هذه المحطة هدنة، أو اتفاقاً أمنياً، أو إعادة انتشار، أو ترتيبات إقليمية أوسع، لكنها تظل، في جوهرها، إدارة للصراع أكثر من كونها حلاً نهائياً له. وفي خضم هذا المخاض الدولي، تبرز أدوار إقليمية جديدة تسعى إلى توسيع هامش المناورة بين مراكز القوة الكبرى. و على ما يبدو بدأ يبرز الدور التركي في هذا السياق بوصفه نموذجاً لقوة إقليمية تحاول الحفاظ على قنوات مفتوحة مع الأطراف المتنافسة، والاستفادة من موقعها الجغرافي والسياسي للعب دور الوسيط أو المهدئ المقبول. وليس المقصود أن تركيا تعيد إنتاج تجربة عدم الانحياز التاريخية بحذافيرها، وإنما أنها تسعى إلى بناء تموضع مرن يسمح لها بالحركة بين القوى الدولية والإقليمية، بما يخدم مصالحها ويمنحها وزناً أكبر في هندسة الترتيبات المقبلة. أما على الصعيد الإسرائيلي، فمن الصعب افتراض أن أي تهدئة كبرى ستكون، في جوهرها، نتاج رغبة ذاتية في إنهاء الصراع. فالضغوط الدولية، وخصوصاً الأميركية، ومصالح القوى الكبرى في منع توسع الحرب، قد تدفع نحو ترتيبات تخفف مستوى المواجهة عندما تصبح كلفة استمرارها أكبر من قدرتها على الاحتمال. ومن هنا يمكن تصور ملامح لنظام إقليمي جديد يقوم، ليس على تسوية شاملة، وإنما على نوع من الوصاية المقيمة، أي ترتيبات دولية وإقليمية مستمرة لا تهدف بالضرورة إلى حل جميع أزمات المنطقة، بل إلى منع انهيارها الكامل، وضبط خطوط التماس، وإدارة ملفات الأمن والطاقة والممرات التجارية وإعادة الإعمار، مع إبقاء قدر من النفوذ الخارجي المباشر في تحديد سقوف الحركة السياسية والعسكرية للأطراف، وبهذا المعنى، قد لا تكون المنطقة مقبلة على نهاية الصراع بقدر ما هي مقبلة على إعادة هندسة شروطه. خاتمة: وفي قلب هذه المعادلة، يمكن قراءة ما يجري في غزة والضفة الغربية من جرائم وتغول وتهويد واستيطان وتدمير بوصفه جزءاً من مكاسب لاي عملية تفاوضية وسياسية أكبر قد تتحول، في مرحلة لاحقة، إلى ورقة مساومة إقليمية ودولية. وأي سيناريو يتحدث عن انسحاب أو إعادة تموضع أو العودة إلى ترتيبات شبيهة بما كان قائماً قبل، قد يُقدَّم سياسياً وإعلامياً باعتباره تنازلاً إسرائيلياً كبيراً أو إنجازاً دبلوماسياً تاريخياً. لكن السؤال الحقيقي سيكون: هل نحن أمام حل للصراع، أم أمام إعادة إنتاج لنقطة الصفر؟ فإذا انتهت الحرب إلى إعادة ترتيب المواقع دون معالجة مسائل الاحتلال والسيادة والحقوق الوطنية الفلسطينية، فإن ما سيحدث لن يكون سوى إغلاق مؤقت لملف ساخن، لا تسوية لجذوره. وقد تجد إسرائيل في ذلك مخرجاً يحول دون خسائر وجودية، فيما تستطيع القوى الدولية تقديم الترتيب باعتباره نجاحاً دبلوماسياً، بينما تبقى الأسباب البنيوية للصراع كامنة تحت سطح الهدوء. وهنا تكمن خطورة «محطة التبريد»: أنها قد تمنح الأطراف والقوى الكبرى شعوراً بالنجاح، لأنها أوقفت الحرب، بينما لم تفعل شيئاً كافياً لمنع الحرب المقبلة. فالتاريخ الفلسطيني والإقليمي لا يقول إن الحروب تتكرر بالصور نفسها، بل يقول شيئاً أكثر قسوة: إن كل دورة جديدة تبدأ غالباً من فوق أنقاض الدورة السابقة، وبكلفة بشرية وسياسية أعمق. من ثورة البراق عام 1929، مروراً بالنكبة والنكسة والانتفاضات المتعاقبة، وصولاً إلى مخاضات القرن الحادي والعشرين، ظل الصراع ينتقل بين الانفجار والتهدئة وإعادة الترتيب. وما لم تلامس التسويات القادمة جذور الظلم والاحتلال وغياب الحقوق المشروعة، فإن محطات الهدوء لن تكون سوى استراحات مؤقتة في صراع مؤجل. قد تنجح القوى الكبرى في تبريد المنطقة، وقد تنجح في إعادة توزيع الأدوار والنفوذ، وقد تتمكن من إنتاج اتفاقات توقف الحرب. لكن التحدي الحقيقي ليس في إيقاف الجولة الحالية. التحدي هو منع الجولة التالية. وهذا لن يتحقق بمحطة تبريد جديدة، وإنما بتسوية تعالج جذور الصراع قبل أن تبدأ الدورة القادمة من جديد.

×
أخبار
إصابات وتوغلات متصاعدة جنوبي لبنان وسط استمرار الخروقات لـ"اتفاق صيغة الإطار" سجال حول انحياز "نيويورك تايمز": الصحيفة تعتذر وتعدل مقالا حول قتلى 7 أكتوبر تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج قرار إسرائيلي بحظر وصول المزارعين الفلسطينيين لحقول الزيتون المصنفة "أراضي دولة" تحليل: حرب فبراير 2026 عززت موقع إيران الإقليمي وكشفت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية أمريكا تمنح مسؤولين إيرانيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تقرير: "تحالف مكة" يجمع القدرات الدفاعية للرياض وأنقرة وإسلام آباد دون قيادة موحدة أمريكا توافق على بيع محتمل لطائرات "إف-35" إلى السعودية بقيمة 24.3 مليار دولار التحول الديموغرافي يعيد رسم خريطة الناخبين في الولايات المتحدة الأردن وفرنسا تؤكدان ضرورة اتخاذ خطوات عملية لتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة اشتية يدعو اليابان إلى الاعتراف بدولة فلسطين نقابة الصحفيين الفلسطينيين تجدد إدانتها لتصعيد الاحتلال حملات الاعتقال والاستهداف بحق الصحفيين قرقاش: العلاقة مع إيران علاقة ضرورية لدولة الإمارات ويدنا ممدودة..وباب المندب ممر دولي مليارديرات أميركيون يدفعون بأموالهم نحو الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي "اذهبوا وموتوا في بلادكم".. تصريح مثير للجدل لرئيس وزراء تايلاند عقب إغلاق مقبرة يهودية فيتو روسي صيني ضد مشروع قرار أمريكي حول تمديد عمل فريق لجنة العقوبات على إيران السعودية: حالة وفاة وإصابتان بسقوط شظايا إثر اعتراض مسيرة حوثية في الطائف

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط