تاريخ النشر: 2021-12-22 | 06:25
تاريخ النشر: 2021-12-22 | 06:25
ماهي نتيجة كفاحنا عبر قرن من الزمان.؟ الاف الشهداء والاف الجرحى والاف الاسرى وتدمير الاف البيوت وشعبنا لم يغادر مواقع المقاومة ضد المشروع الاستعماري والاحتلالي.. ولازال يبدي في كل مواجهة اقداما وفداء منقطع النظير ولازال المناضلون يحتلون في وجدانه مواقع الاعتزاز والافتخار. ولكن ما هي محصلة كفاحنا الطويل.؟.. طبعا مرفوض أن يكون هناك أي تساؤل حول وجاهة المقاومة وشرعيتها ومشروعيتها.. انما الكلام هنا عن الوعي السياسي والالتزام الاخلاقي بالاهداف أي مايتعلق بالقيادات السياسية لحركات المقاومة.. السؤال هنا مشروع تماما للبحث عن مكتسباتنا وانجازاتنا وابرزاها وكذلك عن اسباب خساراتنا وتمدد العدو في ارضنا وموقفنا اي بتركيز معرفة المحصلة للمسيرة.
مدخل ضروري:
وننطلق منهجيا لمناقشة تجارب كفاحنا مؤكدين منذ البداية على حقيقة انسانية في تقييم الافعال والمواقف والتجارب فعندما ينطلق اي مشروع سياسي يجب ان يضع نصب عينيه المحصلة المتوقعة من المشروع التي تكون هي جملة اهدافه، ويقاس نجاح المشروع او فشله بمدى تحقيقه اهدافه او عدمه... هنا المستوى من الكلام ليس للتابعين والمقلدين والخاضعين للانضواء انما هو خاص باصحاب المشروع واصحاب الراي والفكر.. فنحن في مرحلة من المضر فيها تغطية الانهيارات الحاصلة في خطابنا وادائنا بجملة عاطفية لاتصمد امام واقع يفتضح على أبشع ما يقوم به أبشع مستعمر.. أي اننا نريد السير بتأن في محاولة استشعار محصلة الجهد الذي بذل و الذي يملي على القائمين على المشروع الاجتهاد ان لاتكون هناك خسارات بلا جدوى وتضحيات دونما تحقيق اهداف مرسومة.. وأن يكون هناك تركيز على جملة الاهداف المقدسة، بأقل الخسائر وباكثر الوسائل جدية ونباهة.
وفي قضيتنا الكبيرة المتشعبة المتجذرة " فلسطين" تبرز كل عناوين التحدي في قضايا الاقليم بل وفي جوهر الصراع الدولي ومن هنا تصبح عملية الحسابات أكثر ضرورة، وهذا لايعني التردد في المواجهة ولا يعني التباطؤ في اداء الواجب ولا يعني الابتعاد عن المسؤولية، انما يعني بوضوح رسم معالم الطريق الذي سنسلكه ومراحله بموضوعية وعلمية توفر علينا جهودا ودماء ينبغي ان توضع في المكان الصح..
وهنا لابد أن نؤكد على حقيقة أن فلسطين أكبر من أي تنظيم.. أكبر من القوميين وأكبر من الوطنيين وأكبر من اليساريين وأكبر من الاسلاميين ففلسطين -الشعب والارض والرسالة- هي الهدف، وما التنظيمات الا اداوت ووسائل ومن الخبل وضع الفصيل في مكانة الهدف المقدس.. ففلسطين هي كل جهود هؤلاء وزيادة.. ومن بديهيات العلم والحقيقة ان الوسيلة لاتقدس وان كان لابد من حمايتها الا ان تطويرها واجب وقد يكون تبديلها أوجب، وذلك حسب تطورات المعركة وفصولها وحسب صلاحية الاداة وقدرتها..وبدون هذا المنطق تتحول الادوات والحفاظ عليها هي الهدف اي الصنم.
كفاحنا وفشلنا:
شهدت فلسطين موجات من الكفاح والنضال بأشكال متنوعة وذلك بعناوين عديدة بهدف محدد الا وهو افتكاكها من المخطط الاستعماري، وقد ابلى كل عنوان من هذه العناوين ما استطاع من جهد وقدم الشعب تحت رايته ابناءه شهداء ومقاتلين، ولم يحقق حتى الان اي عنوان الهدف الاساس: فلسطين الحرة وشعبها السيد على أرضه.. وذلك لأسباب عديدة منها تكاثف جبهة الأعداء وتنوعها وقوتها وتكاملها وهذا صحيح وهو بحد ذاته عقبة كأداء، ولكننا هنا نريد تسليط الضوء على مسؤوليتنا في الفشل وتقصي حقيقة القصور هنا او هناك في مشاريع الكفاح الفلسطيني لنكتشف النقطة الخطرة التي وقعت فيها كل مشاريع الكفاح الفلسطيني الا وهي الاقتناع بالجنوح نحو المفاوضات والتعاطي بمنطق التسوية قبل تحقيق أي اهداف ميدانية ينتزع من خلالها اجزاء واقعية من حقنا.. لقد فاوض الفلسطينيون خلال الاربعينات ومباشرة بعد الثورة الكبرى العظيمة 1936 التي كادت ان تحقق اهدافها، وان تربك المخطط البريطاني الصهيوني،لولا استجابة الفلسطينيين لنداء الحكام العرب الذين بشروا بنية بريطانيا لاعطاء الفلسطينيين حقوقهم، وشهدت العاصمة البريطانية جولات من المفاوضات المكوكية التي انتهت الى اللاهدف فلسطينيا فيما كان العدو الصهيوني يركز قواعده في فلسطين لتنتهي العملية بالنكبة وقيام الكيان الصهيوني.. والمشهد نفسه يتكرر بعد اتفاقية اوسلو الذي كان ينبغي ان يكون مرحلة انتقالية دون أي انجاز حقيقي فلسطيني الا ان الخدعة فيه كانت بان غطى على موضوع فلسطين والاعتراف بها وبحق اهلها بالعودة وترك ذلك كله الى مراحل قادمة فجاءت المفاوضات التي تصدى عرفات فيها للتفسير الصهيوني فكانت الشهادة مصيرة وتواصلت المفاوضات عبثية بل ماساوية وهي تخفي تحتها عملية استيطان مجنونة فيما يتواصل الاصرار الفلسطيني الرسمي على المفاوضات طريقا اوحدا.. ولم تنج الفصائل الاخرى في الساحة الفلسطينية من لوثة المفاوضات العبثية والتنازل عن جملة المقدس الى جملة التكتيك فاعلنت حماس استعدادها لقبول دولة على الضفة وغزة وغيرت ميثاقها الذي يصر على كل فلسطين وهي تكرر نفس المنطق الخاطيء ان تبدي تنازلا دون تحصيلها اي شيء واقعي..
انجازات مهددة :
لقد حققنا انجازات معنوية ولكنها جميعا مهددة وبعضها تلاشى.. فلقد حقق الحاج امين الحسيني مجلس تشريعي فلسطيني هو الحجر الاساس في الكيانية السياسية الفلسطينية بعد النكبة وكون حكومة عموم فلسطين وهما يمثلان الشعب الفلسطيني داخل فلسطين وخارجها.. ولكن هذا الكيان السياسي تعرض لعملية اغتيال من قبل النظام العربي.. وبعد ذلك حققت الثورة الفلسطينية المعاصرة بقيادة حركة فتح شروط الكيانية السياسية عندما بعثت الحياة في منظمة التحرير الفلسطينية وحررتها من النظام العربي وبذلت جهودا جبارة لتتجنب الخصومة والتصادم مع النظام العربي وحاولت ان تكون جزءا من الاجماع العربي الا انها رغم ذلك كله كانت تجد نفسها تصطدم معه بضراوة في الاردن وسورية ولبنان وتصطدم بكامبديفد وانتهى بها الامر بعد مواجهات عنيفة وحروب شرسة ضد الاجتياحات الصهيونية على قواعدها في لبنان لتجد نفسها قد تشتت الى مابعد طوق فلسطين باشتراك النظام العربي الذي تامر على اخراجها من لبنان الامر الذي شكل جملة شروط موضوعية فيما سبق ذلك ابداء استعدادها لقبول دولة على اي ارض يتم استردادها واصبح الحديث حاضرا عن حل الدولتين وهكذاارغمت الكيانية السياسية الفلسطينية ان توقع على اعتراف بالكيان الصهيوني وشرعية وجوده بلا مقابل.. وهنا حصل خلل سياسي كبير حتى بمنطق انصار التسوية ويتمثل الخطا في عنصرين الأول: التنازل عن قرار التقسيم الذي بموجبه اعترف المجتمع الدولي باسرائيل والذي يمنح الفلسطينين نصف جغرافيا فلسطين ويؤكد على حق العودة للمهجرين، وهو قرار مرجعي بالنسبة للشرعية الدولية، ولجأ السياسي الفلسطيني الى الاعتماد على قرارات اخرى كقرار 242 الاقل اهمية وتفصيلا والذي يحدد فلسطين بالارض المحتلة عام 1967، والعنصر الثاني ان الكيان الفلسطيني اعترف بشرعية وجود اسرائيل فيما لم تعترف اسرائيل بشرعية وجود دولة فلسطينية حسب المواثيق الدولية لاسيما قرار التقسيم.. فكانت الثغرة التي مارست من خلالها اسرائيل اختراقها للموقف الفلسطيني.. وهكذا تم تفريغ اتفاق اوسلو من الاوهام التي غطته وبرز بكل بشاعته مكرسا لواقع الاحتلال ولتورط الوضع الفلسطيني السياسي في شروط اسرائيلية خانقة.
المحصلة طريق للتبديل:
ان اهمية قراءة المحصلة تعني بوضوح طرح الاسئلة باثر رجعي والاجابة عليها بشكل موضوعي وعلمي بعيد عن الديماغوجية المخلة بالعقل.. لابد من طرح الاسئلة البسيطة والمركية على مسيرتنا الدامية التي قدم فيها شعبنا تضحيات كبيرة ولازال.
بالتأكيد نحن هنا لانناقش قداسة الشهداء وتضحيات المكافحين فهذا شرف ومجد وفي دائرة النبل العظيم الذي تميز به شعبنا ولكن النقاش هنا يقف امام كل من تجشم عبء المسؤولية السياسية والفكرية والامنية والثقافية هل نحن حققنا شيئا من اهدافنا الوطنية؟ هل بامكاننا المواصلة وكيف؟ ماهي اخطاؤنا التي مهدت للعدو السير باندفاع نحو تحقيق اهدافه الاستيطانية؟
الشعب هو من قدم التضحيات والفصائل وجدت شعبا معطاء يقدم خيرة ابنائه بلا تردد على مذبح الحرية.. والشعب قدم كل ذلك من اجل فلسطين والعودة ودحر الغزوة الشريرة.. وهنا يصبح واضحا امام كل العناوين القديم منها والحديث ان الشعب والارض هما الهدف الذي لايقبل قسمة وانه في حال عجز اي عنوان عن القيام بالمهمة فليس له ان يقدم على تنازلات تجعل الحق الفلسطيني في مهب الريح..
لم يتحقق شيء من اهدافنا المقدسة بل لعل المحصلة أسوأ بكثير مما كانت عليه الأوضاع قبل عشرات السنين.. وهذا يدعو أصحاب العقول والقلوب الصافية للمراجعة واستنتاج الدروس الحاسمة والتخلص من الايغال في المتاهة.
التحدي الكبير المتشابك بكل أزمات المنطقة يفرض علينا ان ندقق في خطواتنا لكي لانخدع المرة تلو الاخرى.. مؤكدين ان وحدة الصف الفلسطيني على حساب النرجسية الحزبية هو اهم عناصر القوة التي تزودنا بالقدرة على مواجهة التحدي.. ..
نعم انجزنا بكفاحنا الطويل في الكشف عن حقيقة الصراع الحضاري القائم بين قوى الاستعمار وامتنا وجعل من فلسطين حجر ارتكاز له لتفتيت المنطقة وتحطيمها.. ولقد شاغلنا العدو طويلا وكان لكفاحنا الاثر البالغ لتوعية المنطقة وتثويرها ضد المستعمرين.. ولانها فلسطين فلقد زودتنا بخطاب القداسة والثأر المستمرين.
ان الدرس الكبير الذي تتركه تجارب حركات المقاومة للاجيال القادمة ان لاتفاوض مع العدو قبل انجاز وقائع على الارض وان يكون العدو حقا في حاجة ماسة للوصول الى حل سياسي.. اما في ظل اختلال الموازين فان اي مفاوضات يصلح عليها القول اتفاقيات هزيمة.. فلعلنا تاريخيا ومنطقيا وسننيا اقتربنا من بعث جديد للجيل فلسطيني حزبه فلسطين وهدفه فلسطين وطريقه فلسطين.