تاريخ النشر: 2016-12-26 | 11:51
تاريخ النشر: 2016-12-26 | 11:51
جلست إلى النافذة ذات مساء شتوي بارد , ترقب حبات البرد وهي تنقر على الزجاج , تعزف نغمة موسيقية رقيقة , وترسم بالضباب الذي يعكس أنفاسها على لوح الزجاج , لوحات فنية متنوعة , كأنما رسمها فنان تشكيلي من فناني الرسم على الزجاج , ولكن بلا ألوان هذه المرة .. كانت تستمع إلى صوت السيدة فيروز يأتي عبر شاشة التلفزيون وهي تغني في ذلك المساء : " شتي يا دنيا تيزيد موسمنا ويحلا " ... بعد قليل تظهر فتاة ممشوقة القوام بلباس يظهر الكثير من جمالها ومفاتنها , لتقرأ نشرة الطقس , انخفاض ملموس في درجة الحرارة , وسقوط الثلوج على المرتفعات والمناطق الجبلية هذه الليلة ... أخذت تحدث نفسها : إذن هو الثلج قادم , وليس المطر وحبات البرد التي تعزف موسيقاها على النافذة هذا المساء .. تتعلق بالنافذة أكثر فهي بانتظار حضوره للاحتفال بعيد زواجهما الذي يتصادف مع يوم " الكريسمس " في الخامس والعشرين من كانون أول ( ديسمبر ) .. تنتظر عودته للاحتفال بعد أن أحضرت " كعكة " زينتها بإسميهما ووضعت في وسطها ثلاث شمعات , في إشارة إلى مرور ثلاثة أعوام على زواجهما , كانت سعيدة , وتستعد لليلة دافئة تذهب برد هذه الليلة التي تشي بسقوط الثلج , وفي الصباح ستكون لهما رحلة إلى المنطقة الجبلية للتمتع بمنظر الثلج , ومشاهدة المتزلجين القادمين للاستمتاع بهذا اليوم , وستنظر إلى فرحة الأطفال وهم يتراشقون بكرات الثلج .. تذكرت أنها لم تنجب رغم مرور سنوات ثلاث على زواجهما , أصابتها حالة من الحزن , غير ان عصفورة الحسون حطت على النافذة تنقر بمنقارها على زجاج النافذة , كأنما تستأذن الدخول طلبا للدفء من الجو العاصف والبارد في الخارج , انفرجت أساريرها , ونست حالة الحزن التي انتابتها .. لعلها بشارة خير هذا المساء : " خير يا طير " .. هل تفتح لها النافذة , أم تتركها لحالها , وتنظر ماذا ستفعل تلك العصفورة اللاجئة إليها طلبا للدفء .. استقر بها الرأي على فتح النافذة والسماح لها بالدخول .. وسرعان ما دلفت العصفورة إلى داخل المنزل , وأخذت تدور حول كعكة عيد الزواج , ثم حطت على كتفها , دون أن تقدم على نقر الكعكة أو إفسادها , وأخذت تداعبها بالنقر على كتفها واللعب بخصلات شعرها , وأطلقت تغريدة جميلة , كأنها تقدم الشكر لها على استقبالها , وامتزجت تغريدة الحسون مع أنغام أغنية فيروز , محدثتين نغما رائعا امتزج فيه الصوت الملائكي , بصوت أنغام الحسون .. شعرت بارتياح كبير , وتفاؤل أكثر استشرافا بما هو قادم .
لم يطل انتظارها , سمعت مفتاح البيت يلج مغلاق الباب , سارعت لاستقباله , طبع على خدها قبلة حميمة , بينما كان يحمل في يده علبة مخملية , قدمها لها مبتسما قائلا : كل عام وأنت بألف خير يا حبيبتي , وعيد زواج سعيد , مع عيد الميلاد المجيد , تعلقت في رقبته , وطبعت قبلة أكثر حميمية على شفتيه , ثم دلفا إلى غرفة النوم لتبديل ملابسه , استعدادا للاحتفال بالمناسبة .. جلسا إلى المائدة وأمسكت بيده والسكين , وأخذت تقطع قطعتين من الكعكة , بينما قررت عصفورة الحسون مشاركتهما الجلسة , والتمتع بمذاق الكعكة , تفاجأ بوجود العصفورة في المنزل , شرحت له الموقف , تقبل ذلك بكل سرور , بينما ردت العصفورة الجميلة المعروف لهما بمعزوفة موسيقية أطربتهما , بينما الحسون يدور في أرجاء المنزل بكل فرح.
أمضيا سهرة رائعة على وقع حبات المطر والبرد , وندف الثلج الذي بدأ يتساقط رويدا رويدا , محدثا غطاء أبيض على الاشجار المحيطة بالمنزل , وقضيا ليلة حميمة , استرجعا خلالها ذكرى يوم الزفاف في مثل هذا اليوم من ثلاث سنوات .
اليوم التالي كان يوم اجازة , طلبت منه الخروج إلى الجبل للاستمتاع بيوم ثلجي , بعد أن شاهدت الجيران وهم يعتزمون الصعود للجبل ... فاجأها بأنه لن يذهب إلى الجبل !! .. امتعضت وبدت عليها علامات الغضب .. لم يشأ أن يفسد فرحتها في هذا اليوم الجميل , وأخرج من جيبه تذكرتي سفر بالطائرة : سنقضي أسبوعين للتمتع بالثلج , ولكن ليس هنا , بل في بلاد الشمال هناك في أوروبا .. عقدت المفاجأة لسانها , احتضنه , وقبلت الوجنتين بقوة وحميمية أكثر .. في المساء استقلا الطائرة , بينما كانت تتوسد كتفه طوال الرحلة .
في صباح اليوم الموالي كان الفندق الذي نزلا فيه , قد أعد رحلة للنزلاء للتمتع برحلة عبر الجبال المكسوة بالثلوج , قضيا يوما رائعا وعادا في المساء , كانت تبدو أكثر تألقا ببالطو الفرو الذي اشترته قبل عام في الذكرى الثانية لزواجهما .. أخذا يقضيان أيام الأسبوع الأول بالتمتع بسياحة تعرفا فيها على معالم المدينة التاريخية والأثرية , في الأسبوع الثاني فاجأها بأنه قام بالحجز لدى طبيب مشهور مختص بالولادة وأمراض النساء والعقم .. ترددت في البداية بتقبل ذلك , لكنه أقنعها بأنهما سيعرضان نفسيهما كليهما على الطبيب .. ذهبا إلى عيادة الطبيب حسب الموعد , استقبلتهما ممرضة جميلة تتحدث بأربع لغات بينها اللعة العربية , دعتها لغرفة لأخذ التحاليل اللازمة , قبل عرضها على الطبيب .. لم يمض وقت طويل حتى أحضرت الممرضة نتيجة التحاليل , ودخلا إلى الطبيب , سألمه أسئلة روتينية عن عمريهما , وكم سنة مضت على زواجهما , وسألهما وهو يتابع نتائج التحليل على الورق , دون أن ينظر إليهما : لماذا حضرتما لعيادتي , تفاجأ كل واحد منهما بالسؤال , ودون انتظار الجواب , رفع الطبيب عن الورق الذي أمامه , ووضع نظارته جانبا ملتفتا لها قائلا : مبروك " مدام " أنت حامل منذ عشرة أيام .. لم تصدق ما تسمع , وردت على الطبيب : ماذا , أعد عليّ ما قلت .. هذه المرة لم يوجه الطبيب الحديث لها , والتفت لزوجها مكررا التهنئة , مبروك يا سيدي ستصبح أبا بعد تسعة أشهر.
خرجا من عيادة الطبيب وهما غير مصدقين لما جرى , لكنها تذكرت بشارة الخير التي أتت بها عصفورة الحسون , وتذكرت الاحتفال بذكرى زواجهما الثالثة , وبالليلة الحميمة الدافئة التي قضتها مع زوجها تلك الليلة قبل عشرة أيام في ليلة عيد الميلاد .. يا الله ما أكرمك .. لقد أكرمتني وبشرتني في ليلة الميلاد بأحلى البشريات , وبأجمل عيد ميلاد , وبقدوم أول مولود قبل نهاية العام الجديد .