تاريخ النشر: 2016-08-10 | 18:09
تاريخ النشر: 2016-08-10 | 18:09
من أدب الرحلات (1) :
لبغداد وليس عن بغداد أكتب , فحين البحث عن المدن في ذاكرتنا , ندهش لعمق بغداد في تاريخنا ووجداننا , هي قريبة منا وبعيدة عنا , نجدها كحبيبة أبطل الزواج لوعتها , لنا منها ذرية , ولها فينا دم .. بغداد مدينة تسكننا لا نستطيع أن ننسلخ منها , أو تنسلخ عنا .
زرت بغداد لأول مرة في أوائل عقد السبعينات من القرن الماضي , شممت رائحة الحضارة حين وطئتُ أرضها على الفور , كانت الرحلة عبر مدن حضارية عبورا من غزة هاشم ثم عمّان الهاشمية , فدمشق الأموية , غير أن لبغداد طعما آخر , ورائحة أخرى , غنيتها جذلاً وأنا أسير في طرقاتها , واستمع إلى مواويل أبنائها , كنت أنطق حروفها نطقا صحيحا , رغم اقتران الحروف المتباعدة الصوت في علم الحروف واللغة (ب.غ.د.ا.د) , إلا أنها كانت تخرج من حنجرتي نغمة حبلى بالأغاني والمقامات العراقية الجميلة , ذات الطابع المميز في الطرب العربي الأصيل.
حين كنا صغارا , أنشدنا اسمها كجناح صقر جارح لأمة لا تهزم : بلاد العرب أوطاني .. من الشام لبغدان , فبغداد هي المقر الأمين والمكين , طريق عودة السحب التي تغادر بلاط الخليفة العادل هارون الرشيد , فيمهلها متوعدا " أمطري حيث شئت , فسيأتيني خراجك ".
كلما حاولت أن أقف على أول لحظة تمازجت معها , أُخفق , فهي جاءت في رحلة غير منسقة , نمت في شغاف القلب , لا بل لنقل تناسقت مع وجودنا كذكرى بعيدة عن العين , قريبة من العقل والوجدان , تعرفت عليها عبر " ابن كثير " حين قال : بناها أبو جعفر المنصور مدينة مدورة , ولا يعرف في الأرض مدينة مدورة سواها , ووضع أساسها في وقت بناها , في وقت اختاره لها " نوبخت" المُنجِّم عام 762 ميلادي .
بغداد المدينة الجميلة التي ثرثر بها التاريخ , كانت فعلا المدينة الجميلة أيام الزمن الجميل , وغدت في أيامنا هذه المدينة الحزينة , مدينة الحروب والموت , وكانت في زمن مضى تسمى مدينة السلام , كما ذكر ذلك المؤرخ العربي عبد الله بن مبارك الأصمعي .
بغداد عاصمة الخلافة العباسية , وعاصمة البعث والنشور , تعرضت للحروب والموت على مر التاريخ , لكنها كانت تنهض مثل طائر الفينيق , كنا نسمع أنها كانت يوما مهددة بالانقراض , نعرف أنها تمزقت في حروب كثيرة ، وكان أقرب تدمير لها ذلك الغزو التتري الذي اجتاحها قبل ما يزيد عن 700 عام و وأراد أن يحولها حظيرة للخيول الهرمة , حيث يروي التاريخ , أن لون مياه دجلة تحولت إلى الحمراء , من كثرة الدماء , وأن كتب دار السلام , تحولت إلى جسر عبرت عليه خيول الغزاة وجيوشها , فوق النهر الدامي .
والتاريخ يعيد نفسه منذ عقد من الزمان ويزيد , حبن جاءت جيوش هولاكو الجديد , من أرض العالم الجديد في أقاصي الدنيا من أميركا , تدك بغداد من جديد , , وتزرع في أرضها الموت وبذور الطائفية والمذهبية , ثم تتلوها جحافل الهمج من أصحاب الدين الجديد من الدواعش وأخواتها, تزرع الموت ذبحا وحرقا وإغراقا في أرض الفرات .
لكن بغداد بعد كل كارثة كانت تخرج كامرأة شمطاء , تختفي عن العيون , وتعود بعد ذلك, مهبطا للأفئدة , هي العنقاء تتخضب بدمائها وتنفر في السماء طائرا أسطوريا يحلق بعيدا ليجد مكانه في السماء.
كانت آخر مرة زرت فيها بغداد في بداية التسعينات من القرن الماضي , بعد غياب لعشرين عاما عن الزيارة الأولى , قبل اشهر قليلة على حرب الكويت , وبعد نحو عامين من انتهاء الحرب مع ايران التي استمرت ثماني سنوات .. سرت في شوارعها باشتياق كبير, لم أصدق ما فعلته تلك السنوات التي غبت فيها عن بغداد , رغم تلك الحرب اللعينة .. عبرت جسرها الممتد لسبعين كيلومترا , في قفزة من العمران جعلتها مدينة المدن , وعاصمة العواصم , وتذكرت مقولة " ابن تومرت " مؤسس دولة المرابطين في المغرب العربي , " كلما امتد العمران في مدينة , فاعلم أنها ذاهبة إلى خراب " .. انتابتني نوبة من التشاؤم , وأنا أرى عن بعد ما حل ببغداد بعد ذلك , وكأنني في حلم أو كابوس .
افقت من ذلك الحلم الكابوس , الذي حل ببغداد لأتساءل : ما الذي يجعل هذه المدينة تتعرض للموت في كل حقبة , هل علينا أن نؤمن بالأسطورة , أن نعود ونقرأ عذابات جلجامش, ودكتاتورية قراقوش , أو نزَوِّر تاريخ بابل والآشوريين , كي نقف على لعنة التاريخ لهذه البقعة من الأرض .. هل علينا أن نسأل لماذا خرج أبو الأنبياء ابراهيم من هذه الأرض , واختار أرضا غير العراق .. هل هي بقعة أرض مدَّ التاريخ فيها خيط دم , وعليه أن يواصل تصببه إلى يوم القيامة .. هل كان على هذه الخريطة أن تمضي لحتفها كل نهار , وتعود لمزاولة الانقراض والحياة .. وهل الصوت العراقي المعبأ بالشجن من ناظم الغزالي , إلى كاظم الساهر , عليه ان يبكي كل هذه الكوارث مجتمعة ؟!