تاريخ النشر: 2016-10-29 | 21:42
تاريخ النشر: 2016-10-29 | 21:42
أظلمت الدنيا في عينيه , بعد أن أُغلقت كل سبل الحياة أمامه , فلا عمل يستطيع أن يجلب به بعض المال لبيته وأسرته , رغم أنه تحصل على شهادة جامعية , ولا المعابر مفتوحة حتى يتمكن من مغادرة البلد , فمعبر رفح أشبه بيوم الحشر , من كثرة ما تكدس من البشر, أو أنه كبوابة جهنم , كما وصفه له أحد الأصدقاء , ولا يتمكن من العبور , إلا من كان له واسطة وأكتاف , أو دفع من الدولارات الآلاف , لكنه قرر الذهاب والانتظار على البوابة , ودق جميع الأبواب ,ولكنه الانتظار دون تحقيق الآمال , بالسفر والانتقال , وتغيير هذا الحال.. ولما مل وفشل من اختراق بوابة رفح , قرر أن يعبر نهر الأردن , عن طريق طلب إذن " عدم الممانعة " , لعلة يستطيع السقر دون تعب أو إرهاق , أو للأموال إزهاق ... وبعد أكثر من شهرين من الانتظار جاءته البشرى بالقبول , وبالموافقة على منحه التأشيرة .. تهللت أساريره بقرب الفرج , ولكن عليه الخطوة الأخيرة , بتقديم طلب لسلطات الاحتلال لعبور بوابة "إيرز " والسماح له بالتنسيق والمرور , وتقدم بالطلب المأمول , لعله يحظى في أقرب وقت بالقبول.. وبعد أسبوعين ذهب للمراجعة في مكتب التنسيق , فكان الجواب , ما زال طلبكم في الفحص والتدقيق .. عاد خائبا منكسر الخاطر , ولم يصل إلى بيته إلا بعد منتصف الليل بعد أن ضل الطريق . وبعد شهر آخر من الانتظار الممل والطويل , جاءه الطلب من ضابط ( الشاباك ) , أنه مسموح له بدخول حاجز " ايرز " , ولكن ليس للسفر بل للتحقيق , قبل أن يمنح التصريح .. رفض الذهاب , بعد أن علم أن من يذهب لمقابلة ضباط المخابرات يخضع للضغط والترهيب.. عندها استقر به الرأي باقتحام منطقة الانفاق , والتسلل عبرها ليحلَّق بعدها في الآفاق , عبورا من الصحراء , ليصل شاطئ الأمان , حيث البواخر التي تمخر البحر , حاملة المئات والآلاف , في رحلة الأحلام إلى بلاد الشمال ... ركب كغيره من الشباب الراغبين في الهجرة من بلاد العرب , إلى بلاد الحلم والأرب , دفع كل تحويشة العمر , بعد أن باعت زوجته ما قدم لها من مهر وذهب , وبعد أن قطعت الباخرة المتهالكة نصف الطريق , أصابها التعب وغرقت دون أن تكمل الطريق ... تمسك بقطعة من الخشب , ودعا ربه أن ينجيه من الغرق رأفة بالزوجة والأولاد , الذين ينتظرون على أحر من الجمر وصول والدهم إلى بلاد العز والذهب , لينقذهم من حالة البؤس والفقر , وألا يعود بخفي حنين , كما سمعوا عن الكثيرين عمن سافروا وعادوا , دون تحقيق الهدف والأرب .. وبينما هو بين الحياة والموت بعد ثلاث ليالي واربعة أيام , في ظلمة ليل البحر الغاضب , جاءه الفرج من رجال الانقاذ , ولم يعلم بعدها ماذا حدث , إلا بعد أن وجد نفسه في مستشفى بين قوم لا يفهم لغتهم , ولا يفهمون عليه , عندما سألوه عن اسمه , لم يجب , وكأنه نسي اسمه بالتمام , وظل صامتا دون كلام , فأحضروا له المترجم , الذي أكد لهم أنه فاقد للذاكرة , وبعد أن تم فحصه طبيا , أخبر الأطباء سلطات الهجرة في البلد أنه سليم الجسد , لكنه فاقد العقل والذهن , فأرسلوه إلى المصحة النفسية , وقد أطلقوا عليه اسما جديدا في ملفات المشفى , " غريب الغريق " !!