تاريخ النشر: 2016-11-12 | 17:36
تاريخ النشر: 2016-11-12 | 17:36
كان الجو باردا إلى درجة الصقيع في ذلك الكانون من شتاء قارس , لم بعرف النوم في ليلته , ظل يتقلب في فراشه حتى الفجر , ليس من البرد فقط , فقد أشعل كانون الفحم , كي يذهب البرد قليلا .. القلق يؤرقه فلا يتسلل النعاس إلى جفنيه .. وكالات الأنباء تتحدث عن حشود على الحدود , وصوت طائرات التجسس (الزنانة ) تزيد من قلقه وتزعجه وتطّير النوم من عينيه , الخوف يلاحقه من عدوان جديد , وهو لم يكد ينسى الخسائر التي لحقت بالوطن , ولحقت به شخصيا , بعد أن فقد البيت والولد , تذكر مأساته السابقة فلم تعد له شهية لتناول العشاء , رغم أنه عاد ذلك المساء وهو يشعر بالجوع بعد عناء النهار , ألم يقولوا في الأمثال : ثلاثة لا يعرفون النوم : الخائف والبردان والجوعان .. فكيف إذا اجتمع الثلاثة عليه ؟!!
قام من فراشه في ذلك الصباح بتكاسل شديد , لكنه سارع إلى فتح الراديو ليتابع ما تذيعه من أخبار عاجلة , ثم ينتقل لفتح جهاز الكمبيوتر يطالع ما تكتبه المواقع الإلكترونية عن آخر تطورات الأحداث ... هل فعلا ستقوم حرب جديدة ؟! .. لقد مللنا الحروب ومآسيها , لم تعد لنا قدرة على التحمل , ما زال المشهد ماثلا أمام عينيه , الغارة الغادرة تأتي على جزء كبير من البيت , أشلاء ابنه " ثائر" تختلط بحطام الأثاث وركام الأحجار المتناثرة , تنحدر دمعة من عينيه دون أن يشعر .. يا الله : هل ستعود تلك الأيام السوداء , حيث لا كهرباء ولا ماء , وصوت القصف يصم الآذان , ورائحة الدم والموت تزكم الأنوف , وتملأ العيون بالدموع , لا.. لا ..لا نريد عودة تلك الأيام .. غير أن الأنباء تنبئ أن الوضع قريب من الانفجار , فقد سقط عدد من القذائف الصاروخية على مستوطنة يهودية , والعدو يتحدث عن خسائر في الأرواح , واضرار في المباني , إذن هي الحرب قادمة لا محالة .. يزداد خوفا من القادم المجهول , ويرتفع منسوب القلق لديه , فالعدو يهدد بحرب ساحقة هذه المرة لا تبقي ولا تذر .. يكاد يفقد أعصابه وعقله من كثرة التفكير بما هو آتٍ , ألم يكفه ما أصابه من أمراض بعد تلك الحرب التي دمرت بيته , وخطفت ولده الوحيد .. زوجته تحضر له حبوب الضغط , وإبرة الأنسولين , حتى لا يرتفع الضغط والسكري في دمه الذي بدا يغلي مع سماع كل " خبر عاجل " .. ترتفع نسبة " الأدرينالين " في دمه , وتضغط أكثر فأكثر عل أعصابه .. لم يحتمل الجسد كل ذلك , يصاب بجلطة دماغية حادة تشل حركته , وتعقد لسانه عن الكلام , وتدخله في غيبوبة .. تطلب زوجته سيارة الاسعاف , يدخله الأطباء غرفة العناية المركزة على عجل , حالته سيئة يقولون , يحقنونه بالأدوية والمسكنات , حتى يستطيع أن ينام , فهو لم ينم منذ 48 ساعة بسبب ما اصابه من قلق وارق .. ها هو الآن يرقد اخيرا , لكنه غائب ويرقد وينام بغير إرادته , بانتظار قيامه من اغفاءته الاجبارية , أو قيام الحرب التي أرقته وأدخلته في هذه الغيبوبة !!