تاريخ النشر: 2014-07-22 | 21:09
تاريخ النشر: 2014-07-22 | 21:09
في فجر يشقشق مع صوت عصافير تقف على حافة نافذة المطبخ ، نافذة تلقي تحية الصباح لنوافذ تقابلها كل يوم في اشراقة يوم جديد، رائحة الصباح رغم اختلاطها بروائح الخوف إلا أنها تغزو قلب أم أحمد .
تقف أم أحمد بمحاذاة نافذة مطبخها ، تغسل صحونها وأكوابها وملاعقها بدقة متناهية ، تهرب من صوت الطائرات والغارات والقنابل، تستمع إلى صوت الماء يتدفق من صنبور المياه ، تتأمل رغوة الصابون على زجاج أوانيها، وقطرات ماء تلمع مع أشعة شمس لتخترق عينيها الحانيتين، تنشغل بصور في عقلها وقلبها ، صورة لأطفال أكلتهم نيران الشظايا ، تسيل دمعة على خدي أم أحمد لتختلط بصوت المياه على أوانيها.
تنظر إلى السماء ترى دخانا بعيدا ، مباني تحترق ، فجأة يباغتها صوتا لسيارة إسعاف مسرعة ترى السيارة تحارب اسفلت الطريق ، والطواقم الطبية داخلها، راديوهات في الشارع تغني للمقاومة ، تتحدث مع نفسها.
. ترى مين اللي مات ، أولاد الكلب قاعدين يتصيدوا ولادنا متل العصافير.
يرن التليفون ، أم أحمد تركض لاهثة، أختها تتصل:
. ألو.
. ألو ، أنتو بخير .
. احنا خير ، طمنيني عنكم
. القصف حوالينا يا أم احمد ، وانا خايفة عالولاد.
. وايش بتستني جيبي الولاد وتعالوا عنا ، دارنا أمان.
. طيب ، البّس الولاد وأشوف سيارة تجيبنا عندكم.
. ديروا بالكم احنا منستناكو. ربنا يحميكو.
أم أحمد تنظر إلى ابنها أحمد و ابنتيها جنين ويافا ، ينامون بعمق ، مرهقون ، بعد سهر أياما طويلة من الحرب ، النوافذ لم تغلق طوال الليل ، خوفا من الانفجارات وتكسر الزجاج، يفرشون فراشهم في وسط البيت ، يستغنون عن غرفهم وأسرّتهم ليبتعدوا عن الخطر ، ولكن الخطر هو محدق ، مهما حاولوا الابتعاد.
تشغّل بطاريات اليو بي اس ,التي تشغّل قليلا من كهرباء البيت ، في ظل انقطاع الكهرباء المستمر ، تشاهد التلفاز ، أخبار مفجعة ، لا تبحث إلا عن نشرات الاخبار ، تقلب قناة تلو قناة ، تستمتع لمحللين وصحفيين يخمنون متى هو موعد انتهاء الحرب، تتمتم مع نفسها :
. وايش فايدة الحكي لما الناس بتموت ،قرفنا حكي.
يستيقظ أحمد ، مسرعا إلى كمبيوتره ، وهاتفه الخليوي ، يقرأ رسائله قبل أن يغسل عينيه من نعاس لم ينته بعد، يتحدث مع نفسه:
. أوف هدول بجتاحوا ، معقول يرجعوا يحتلونا ، ضربوا عمارة فلان ، ياه اسشتهد ابن علان ، يلعن أبوكو يا ولادين الكلب ، حسبي الله فيكو ، يا مى :
. ايش في
.سمعتي الاخبار .
. سمعت ما تقوليش ولا حاجة ، وجهك والحمام ، ريحتك نتنت ولك اترك هالجوال ، وروح اتحمم قبل ما تقطع المي ، في شوية مي سخنة.
تصل أختها مع طفليها الصغيرين ، عيونهم حائرة ، أصواتهم متقطعة ،أنفاسهم متهدجة، أرعبتهم صواريخ الموت ، يدخلون البيت .
. آه يا أم أحمد ،مناظر بترعب ، جثث مرمية ، دم بالشوارع ، بخافوش الله هدول ، ربنا يخادهم أخذ عزيز مقتدر.
. المهم أنكوا بخير ارتاحي يختي . وخليك قوية بشان الولاد .
. الله بعين.
تستيقظ جنين ، تنظر إلى أختها يافا بجانبها ، تخاف ، تدعي الله :
. خلي يافا بخير ، مش مشكلة لو انا متت ، بس يافا لاء بعدها صغيرة.
يرن جوالها ، عمتها تتصل :
. ألو السلام عليكم .
. آه يا عمتي عليكم السلام.
. يا عمتي يا جنين الضرب حوالينا ، في شي حواليكو .
. دارنا بأمان ، تعالوا لعنا .
. يلا يا عمتي مسافة الطريق .
كان البيت في وسط مدينة غزة يطل على البحر ، يعبق برائحة موجه ورماله، والخالة أخت أم أحمد تسكن في الشمال في بيت لاهيا ، بينما تسكن العمة عمة جنين في الجنوب في القرارة ،مناطق مشتعلة تقصفها الدبابات والمدفعيات والطيران الحربي الاسرائيلي، والمقاومون الفلسطينيون يقاومون ويتسللون من أنفاق تحميهم تحت الأرض ، بيت أم أحمد كان يهتز من صوت قذائف البوارج في البحر ، تهتز الجدران والنوافذ والأسرّة والكراسي والأطباق ، مع ذلك هو أكثر أمنا من بيت العمة والخالة.
جنين تسرع لأمها ، تقبّلها ، تحتضن أم أحمد جنين ، و تدعو لها الرب بالحماية والامان.
. يا أمي ، عمتي جاي عنا ، بيتهم مش أمان.
. بيت الضيق يا مي بيوسع الف صديق ، ان شا الله بيوصلونا بالسلامة.
أبو أحمد الفدائي الشهيد كان قد استشهد في حرب مؤلمة منذ سبع سنوات ، ومازلت ذكراه وصوته وهمساته يعيشون مع زوجته أم أحمد و أبنائها ، كانت ذكرى عظيمة ، كان مناضلا شرسا ، لا يتخلى عن أرضه ومبادئه ، كان يؤمن بالحرية والشعب الحر ، يحب الناس ، لا يتطرف لفكرة دون فكرة ، كان كالسيل الناعم في فهم الحياة.
تصل العمة مع أبنائها الثلاث ، تلقي التحية ، تتصبب عرقا ، تخلع منديلها عن رأسها :
. آخ يا أم أحمد ، وينك يا أبو أحمد ، تشوف ايش بعملو بفلسطين ، يختي المستشفيات و المدارس مليانة ناس ، ايش بدو يعمل الصليب الأحمر ليعمل ، منعرش كيف وصلنا لعندكو ،هجرة جديدة الناس بتنزح من دورها للمدراس ، الاحتلال بطردنا من دورنا والعالم بتفرج ،وين العرب ، وين دول العالم. وين بان كي مون.
. طولي بالك يختي ، خيلينا صامدين ، الله معنا والحق النا.
قطاع غزة كثافة سكانية عالية ، بنيان مرصوص ، مسطح اسمنت ، تكاد الاحاديث تشتبك بين الناس من النوافذ ، تشح المياه ، تقطع الكهرباء ، قليلون من يستطيعون السفر ، ولكن الفلسطينيون يحبون هذا القطاع ، ويقولون والله إنها أرض مباركة.
احتشد الجميع في هذا البيت ، يتوارون عن أهداف العدو في القتل والتدمير ، كان شهر رمضان في فصل الصيف ،حرارة مرتفعة تلهب العقول ، تجف الاجسام من طول ساعات الصيام علها تلقى ثوابا عظيما من الله ، كان الناس يتعبدون ويؤمنون ويصلون ويعاندون ويقاومون ويخاوفون ويكفرون لكنهم يتفقون على حقيقة واحدة أنهم فلسطينيون.
دخلت أم أحمد المطبخ مع العمة والخالة لإعداد الإفطار بعد صيام طويل ، تزداد شهيتهم للطعام ، يبحثون عن مذاقات بعيدة ، في خيالات أجمل ، عن قصص حب مخفية ، عن صدف بحر يحمل صداه ذكريات بعيدة ، يتحدثن ، يضحكن ، يقهقهن ، يطرطقن بمعدات المطبخ ،أم أحمد لأختها :
. و الله ما مصدقة يأذن المغرب ، بدي فنجان قهوة وسيجارة تعدل الراس ، هالراس هلك من السهر وقلة النوم وصوت الصواريخ ، اتركي اللي بيدك وجهزيلك فنجان قهوة.
في وسط البيت ،اجتمع الفتيات مع جنين و يافا التي استيقظت متأخرا ، ليجهزن طبق الحلوى المفضل ، وهو القطايف ، تحلية شعبية ،طقس يحبه العرب خلال شهر رمضان ، يفزعن مع كل ضربة صاروخ ، تهتز الارض أسفلهن ، يعاودن الحديث ، يبتسمن ،يحاولن الهرب من ضجيج الحرب ، ليشاهدن مسلسلا على قناة تلفزيونية هنا أوهناك ، يبحثن عن كوميديا ساخرة ، أو دراما رومانسية تسرق عواطفهم لحظات عن رعب الحرب.
الفتيان يتناقشون كالرجال في أمور الحرب ، ويفتون ويحللون ويتبارون من يثبت وجهة نظره عما يقول ، تتعالى أصوات ، يغضبون ، ينصرون المقاومة ، يرفضون الموت ، لكنهم جاهزون للتضحية بأنفسهم في أي وقت ، تتضارب وتتناقض المشاعر و الافكار ما بين قبول ورفض مواجهة مع عدو يملك سلاحا لا يملكونه ، لكنهم يسعدون بكرامة المواجهة ولو بسلاح قليل ، ولكنهم يحلمون بقيادة حكيمة تعرف متى تبدأ حربا ومتى تنهيها.
لقد نضج الفتيان قبل أوانهم مع جولات حرب متعاقبة في سنوات قليلة من عمرهم ،أنستهم لذة الحياة وطيشها وألبستهم رداء الرجولة وعقل الحكمة.
. يا مي بدا تجهزيلنا الفحمات بدنا أركيلة .
. يقصفها الاركيلة يا أحمد ، والدخاخين في الدار ، انهلكت وانا أنظف .
. يا مي كم أحمد عندك.
. أحمد واحد ، آخ منك واحد مش قليل الله يرحمو أبوك ، طالع شبهو طبق الاصل.
يرتبون المائدة ، يتدافعون من يجلب الصحون والمعالق ،ومن يضع أمامه الطبق الذي يحبه .
يسرق أحمد صحن سلطة مفضل لدى ابن عمته ويركض في البيت ، وابن عمته يلاحقه :
. ولك هاد الي ، مش الك ، انا اللي طلبتو.
يتصارعان ، يضحكان ، يعيد أحمد الصحن لابن عمته.
أذّن المغرب ، خشوع كبير ، دعاء الفقير ،هدوء عميق لكنه حذر ، لا أناس في الطريق ، لا تسمع سوى صوت الزنانات وطرطقة الصحون ، رياح غريبة ، اللقمة الاولى في أفواه الجميع بعد جوع وعطش شديدين .
الدماء تغمر المائدة ، تختلط بالطعام والشراب، الجميع اشلاء ، اختفت الضحكات ، لا أصوات للعائلة ، لا جدران للبيت الآمن ، دخان وغبار يكسو كل ما في المنزل، سقطت النوافذ ، تكسر الزجاج .
خبر عاجل على شاشات التلفاز ، ينظر العالم إلى نوافذ أم أحمد بعد أن هربت العصافير من على حوافها ، ولكن أم احمد لم تسطيع مشاهدة بيتها من نافذة العالم ، لم تشاهد نشرة الأخبار.
صاروخ فاجأ الجميع ، كانت لقمة الطعام مع صرخة الحياة ، لم تكتمل الصرخة ، لم تستطع الخالة والعمة النجاة بأطفالهم ، كان سرعة الصاروخ أسرع من كل شيء .
كانت دار أم أحمد آمنة كما أخبرت الجميع ،هرب الجميع من الموت ، ليقابلهم موت آخر ، أم أحمد وثقت بذكرى زوجها ، وبانتمائها لأرضها لكنها لم تستطع حماية الجميع .
طواقم الاسعاف والدفاع المدني تهرع إلى دار أم احمد ، يمشون بين الردم والاشلاء ، تتلطخ أحذيتهم بالدماء ، الفحم لأركيلة أحمد عالغاز ، الفحم مازال يحترق، كانت أم أحمد تحرق الفحمات لابنها ، ابنتها الصغيرة كان تناولها كأسا من الماء لتبتل عروق أمها من العطش بعد أذان المغرب ، وبعد أن طال وقوفها بالمطبخ ، أم أحمد تحت نافذة المطبخ تحتض يافا ، لم يعد للنافذة زجاج ، اتحدت والسماء ، لم تمت يافا ، عينيها دامعتين مذهولتين , لا تتكلم ، احتضنتها أمها أم أحمد ، استشهد الجميع وماتت أم أحمد ولكن يافا لم تمت .