تاريخ النشر: 2016-11-07 | 11:48
تاريخ النشر: 2016-11-07 | 11:48
كان جالساً على قارعة الطريق في أحدى الشوارع الرئيسية في المدينة، تبدو عليه الوسامة المكتئبة والوقار المتهالك واللباس الأنيق الممسوخ مع الزمن يلفه معطف أسود غطى جسده حتى أسفل ركبته،
أشعل سيجارة كان قد اشتراها من طفل يموج بين السيارات يبيع السجائر وهو يحادث الركاب من شبابيك السيارات، لم يُجد الإمساك بتلك السيجارة وكأنه يمارس التدخين لأول مرة في حياته، وأخذ شهيقاً عميقاً احمرت معه عيناه إلى درجة أدمعت معها فنفث الدخان بقوة الألم الذي يعتصر أحشائه وقلبه وبكى مع تمتمة حزينة لم أفهمها، فنظرت إليه وتوقفت لحظات أتأمله فآلمني المشهد وترددت في سؤاله عما يدور ويموج بداخله ولكني لم أفعل لأن الوقار المتهالك لديه جعلني أجفل من أن أسأله.
فسرت إلى وجهتي التي أقصد من خلالها إنجاز بعض احتياجاتي، فقد كان للتوقف أمام هذا الرجل أن أعاد بعض الراحة إلى بعض مفاصلى ( الركبتين) فتابعت سيري متكئاً على عكاز أصبح مرافقي في رحلات خروجى والتي تقلصت بشكل كبير لشدة الألم الذي أعاني منه وهو ألماً ممزوجاً بأسباب كثيرة عضوية ونفسية وقهر مما يدور في هذا البلد وبعد استشارة أحد الأطباء أفادني بنصيحة مهمة بأن أبتعد عن كل منغصات الحياة وألا أترك للزعل والتوتر طريقاً إلى داخلي لأن هذه مسببات نفسية قوية تؤثر على الصحة بسبب الاكتئاب وهذا بدوره ينعكس على سائر أعضاء الجسد بأمراض غريبة أخذت تغزو أجساد الكثير من الشباب ولم يقتصر الأمر على كبار السن.
ضحكت وقلت يا دكتور كيف لي ذلك والحال في هالبلاد ما بيسر حبيب ولا قريب، وجال بخاطري مشهد ذاك العجوز الذي آلمني ولم أتمكن من التعرف على حاله بشكل كامل بسبب موعدي معكم يا دكتور فدار بيننا بعض الأسئلة والإجابات حول من ذاك العجوز وأين هو الآن، ومما يعاني وأسرار وجوده الحزين في ذاك الركن من الطريق، فأخبرني بعد أن تعرف منى على مكان جلوسه وقال عرفت ذاك العجوز وسرد لي بعضاً من المعلومات عنه وتأثرت وتألمت أكثر وقلت له كيف تريدني ألا أتأثر وأحزن على مثل هذه الحالات وكيف لي أن أتخلص من آلام الجسد وأستغني عن العكاز.
ومن هنا نصحني بأن أعاود الكرة إلى مكان الرجل للتعرف أكثر على حاله، غادرت عيادة الطبيب وهي لا تبتعد كثيراً عن مكان ذاك الكهل، وما أن وصلت قبالته توقفت غير بعيداً عنه وأسندت ظهري على حائط منخفض الارتفاع مسنداً يداي على العكاز وأنا أنظر إليه بشغف لمعرفة سره وأحواله.
رمقني بنظرة ثاقبة وعميقة وكأن بها رجاء ليس مني بل من الله وكأنه يعاتبه في حاله.
توقفت وتنهدت عميقاً وصمت صمتاً مدوياً أسكت معه سماء ضجيج الشارع والسيارات والناس وبائعي الشوارع المتجولون وكأن ضجيجاً أصابني إلا من سمفونية حزن مزقت كبدي وفتحت سمعي وكل مداركي وجوارحي لسماعها من ذاك العجوز الحزين والمتألم كألم أيوب ويعقوب وكل الأنبياء، وكأن نصائحهم والأديان والرسالات التي أتوا بها للبشرية قد تبخرت ولم تتجاوز إلى أسفل السماء وبقت معلقةً قبلها.
وكأنهم ورسالاتهم لم تقل وبالوالدين إحساناً.
فأخذ الرجل يحدي بصوته كالناي الحزين ويقول :
أنا اللي زمان كنت جالس
في بيتي ومرتاح
وصرت اليوم في الشارع سواح
و على ناصية الطريق
قاعد حيران
مروا الخلان
لا نظرة منهم
ولا رد علىّ السلام صديق
قلت شو هاللي صاير في هالبد
حتى الولد ما عاد ولد
هو عاق بكل المفاهيم
لا سلوك منه ولا من غيره سليم
وصرنا نضرب الكف بالكف ونقول
يا حسرة على هاك الأيام
يوم ما كنت بصحة وبمال وفير
الكل يصفق لي ويبوس الأيادي
وكان الاحترام منهم كثير
واليوم !!!
وبعد ما صرفت كل شيء وبعت الأرض
حتى يصيروا دكاترة ومهندسين ومتزوجين
البنات مع أزواجهن ملتهيين
والأبناء بحالهم وبحال أولادهم مشغوليين
وأنا كبرت وتعديت الثمانين
بس ما خرفنت
وبيكتبوا عني تقارير طبية
تيرسلوني للجمعية
اللي المسنين فيها عايشيين
قلت وين وبالوالدين إحساناً
بس ليش الإهانة
أنا أعطيتهم وصرفت – وما حرمت
ولا خرفت
ما بدي منهم شيء
غير الاحترام
وأطيب الكلام