في حديثه بالأمس القريب الذي أدلى به حصرياً للقدس العربي، وعد الرئيس الفلسطيني محمود عباس بأنه سيقدم مفاجأة وصفها بالقنبلة حيث أشار في حديثه إلى أنه «سيلقي قنبلة في نهاية خطابه المنتظر في الأمم المتحدة في الأسبوع الأخير من الشهر الحالي ، ولكنه قال أنه لن يكشف عن ماهية هذه القنبلة!!، مما جعل الكثيرين يجتهدون بالتخمين والتحليل لما ستحمله والبعض ذهب بعيداً بالكشف عنها في حين أن البعض فضل الانتظار ليعرف ما هي وما مدى قوتها وتأثيرها !!! ، وفي تقديري مهما كانت المفاجأة أو القنبلة كما أراد أن يسميها ، فهي لن ترتقي لتطلعات الشعب الفلسطيني الأنية والذي لا زال يكتوي بنار عدم تحقيقها أو حتى التعامل معها بجدية وهي توحيد شطري الوطن وإنهاء الانقسام بشكل فوري، ومع ذلك إن تغاضينا جدلاً عن هذه التطلعات لهذا الشعب المكلوم ، وسمحنا لأنفسنا أن ننظر إلى صورة المشهد الفلسطيني القائم سنجده قاتم نتيجة توافق إقليمي ضمن قيود سياسية ومالية صارمة لا يجرؤ أي قائد فلسطيني أن يغيره إلا إذا كان يمتلك من الشجاعة ما يقنع به هذا الإقليم بأن مصلحته في ظل الصراعات الدموية التي تمر بها المنطقة تكمن في إنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي إبتداءاً من ما ترتب عليه من الانقسام الفلسطيني مروراً بالبدء بحل سياسي واقعي ومنطقي يضمن حلول عادلة تؤدي إلى وقف الصراع وإنتهاءاً بإفساح المجال أمام القبول بإقامة دولة فلسطينية مستقلة في حدود الرابع من حزيران 1967 على أساس حل الدولتين الذي يضمن تعايشاً سلمياً جوهرياً ورخاءاً اقتصاديا مهماً ينعكس إيجابياً على فكرة التعايش بين شعوب المنطقة !، ولكن الواضح ولو فرضنا جدلاً أيضاً بأن هذا هو ما يريده الرئيس محمود عباس ، فمن الواضح أنه لا زال يواجه تحديات وعواصف أمام نهجه في دلالة على أنه غير مكتمل المواصفات المطلوبة لمواجه هذه التحديات بصلابة ، فوضع نفسه أسيراً بين منتفعين من هذا الواقع المر واستمراره من ناحية، ومن ناحية أخرى قبوله بالتسليم بقيادة عملية تظليل بشعة في تسويق نهجه تقوم بها أطراف فلسطينية بالتعاون مع أطراف إقليمية محترفة في قراءة الواقع، فكيف لا، ونحن نذكر أنه على مدار الأعوام السابقة ونحن نسمع نفس نغمة القنابل المدوية التي تم إلقائها مع كل خطاب سنوي في الأمم المتحدة ، بالرغم من عدم تجاهلنا لحقيقة أن الخطابات كانت نارية والقبول والتصفيق لها كان حاراً وعواطف الشعب كانت جياشة وهي تنتظر بلهفة النتائج المترتبة على تلك القنابل التي ألقيت ولكن وبعد فترة وجيزة كانت تتضح الصورة بأن ما تم إلقائه هو قنابل صوتية تهز سامعيها في إطار بروباجندا إعلامية هادفة سرعان ما ينكشف ضعف تأثيرها، فأصيب الجميع بخيبة أمل وبدأوا يدركون أن رامي تلك القنابل هو ليس رجلاً عسكرياً يحترف الرماية إلا إذا كانت على طريقة أفلام الأكشن أو إذا كانت من خلال ألعاب نارية تعطي أكشن وصوت عال تقدمه لشعبه كبطل وعلى المتفرجين والمترقبين والسامعين التصفيق والقول ولا الضالين أمين .
فلو ذهبنا بعيداً بخيالنا وأقنعنا انفسنا بأن قنبلة الرئيس عباس ستكون مدوية ، فهل يا ترى ستكون نتائجها داخل خط التماس تحمل البشرى والأمل وتصنع السلام لشعب مظلوم لا زال ينتظر الفرج أم خارجه وما الذي ستحمله؟! ، لذلك سنحاول أن نبدأ بالقراءة خطوة خطوة لربما نصل للغاية:
أولاً : الرئيس الفلسطيني محمود عباس سيمكث أسبوع في نيويورك وسيرافقه فريق كبير لا يقل عن 40 شخصاً من مرافقين ومستشارين وإعلامين وأقارب وحبايب وأصدقاء كما كل عام في هذا التوقيت، فلا أعتقد أن هذا الوضع هو من باب النزهة والترفيه بقدر ما له علاقة بتسويق الحدث وإعطائه زخم إعلامي المراد منه إعطاءه مصداقية وإحياء شعبية تقصلت لأدنى مستوياتها في ظل وجود خصومة شرسة أو حسب ما يحلو للرئيس وصفها بأن هناك طابور داخلي يعرقل مسيرة نهجه وتوجهاته، ومن ثم ضمان الإستمرار في الوضع القائم بنفس الفريق حسب متطلباته وتحقيق المكتسبات منه لعام جديد بإنتظار خطاب جديد لن يأتي للشعب الذي ينتظر بأي جديد.
ثانياً : إن كان الرئيس عباس لا زال يمتلك قنابل فعلاً يستطيع القذف بها، يتساءل الجميع ما هي خياراته المتبقية في جعبته والتي تحملها قنابله السنوية بعد كل هذا التراجع الوطني وفي شعبيته والهوة الكبيرة بين نهجه ورفاق دربه من القيادات الذين رافقوه طوال هذه السنين وأطاح بهم ولا زال لديه الرغبة بالإطاحة بمن تبقى منهم، وهل يظن أن طريق تسويق ما يصفه بالقنبلة سيكون مفروشاً بالورود إن كانت تحمل مفاجأة حقيقية وهل هي كذلك ؟ ،وإن كان ذلك صحيحاً جدلاً هل تم التحضير والتخطيط إستراتيجياً لها لمواجهة ما سيترتب عليها، وإن لم ترتقي لمستوى الوصف هل هو يدرك بأن ذلك سيؤدي إلى نتائج سلبية ستفقده ما تبقى لديه من مصداقية ، وستصبح قنابله إن بقي لديه قنابل ما هي إلى مجرد بالونات صوتية لا تغني ولا تسمن من جوع على المستوى المحلي وسيدير الجميع ظهره لها وستعيد القضية الفلسطينية بالمحصلة إلى الوراء ومن ثم ستفقده ما تبقى له من شعبية!.
ثالثاً : إن كان يظن البعض بسذاجة أن القنبلة متعلقة بإقدام الرئيس عباس على تقديم الاستقالة على الهواء مباشرة، أعتقد بأن الرئيس عباس باقٍ على سدة الحكم ما دام حياً ولن يترك الحكم ولن يعلن عن موعد انتخابات ولن يعلن عن حكومة وحدة وطنية وهذا ليس تحليل بل يقين بدليل الواقع وتطوراته اليومية إلا إذا كان هناك مطلب وتدخل دولي وإقليمي لعقدها ، علماً بأن هناك مؤشرات تشير إلى موافقات بعقد الإطار القيادي الموحد ومن ثم إمكانية الإعلان عن موعد للانتخابات لتسليم السلطة بشكل أمن وخروج من المشهد من خلال عدم الترشح للانتخابات كخروج أمن وكريم في حال تم عقدها بعد كل هذا الوقت من التعطيل المتعمد والصراع المقصود والمبرمج ، والعارفين بالرئيس عباس من أبناء جيله يقولون بأن ذلك مستحيل ولن يكون، والرئيس عباس لن يترك وباق مدام حياً وهو في أوج نشاطه ولا زال يؤمن بأن لديه ما يقدمه ولديه القدرة على مواجهة خصومه والتحديات التي تواجهه بالإضافة إلى أنه عنيد.
رابعاً : إن كان البعض يظن أن القنبلة ستتعلق بالتطرق لإلغاء التنسيق الأمني فهو واهم لأن الأمر لا يتعلق بقرار وطني فقط بقدر ما هو قرار مرتبط بالوضع الإقليمي والدولي في الموقف من ما يتعلق بمصلحة إنشاء كيان وقدرته على الإستمرار وهذا لا يعني إغفال حقيقة أن السلطة تستطيع أن تلغي التنسيق الأمني إن أرادت ولكن ذلك يعني حلها وإنهائها، فهل الرئيس عباس مستعد أن يفعل ذلك وهل يستطيع؟!.
خامساً : إن كان البعض يظن أن القنبلة ستتعلق بإلغاء بعض بنود اتفاقية أسلو ومنها اتفاقية باريس الاقتصادية ، أعتقد بأنه سيكون واهم في فهم الواقع القائم الذي يعمل على ضمان بقاء ارتباط الاقتصاد الفلسطيني بالاقتصاد الإسرائيلي وضمان تبعيته من باب الحاجة أكثر من أي شيء أخر وبالتالي هذه نقطة بعيدة الحدوث في المنظور القريب على الأقل.
سادساً : إن كان البعض يعتقد أن قنبلة الرئيس محمود عباس ستتعلق بإعلان دولة فلسطينية وإنهاء اتفاقية أسلو وما ترتب عليها من إنشاء سلطة فلسطينية ، أستطيع القول أن ذلك مجرد وهم ، لأن الأمر لا يتعلق بالإعلان بقدر ما يتعلق بالقدرة والإرادة على مثل هكذا إعلان وتحمل ومواجهة ما، لربما سيترتب عليه، وهذا ليس متوفراً في الحالة الفلسطينية القائمة.
سابعاً: بعد كل ما سبق إن كان الأمر يتعلق بمفاجأة نوعية، فإن المراقبين يميلون إلى أن القنبلة التي سيلقيها الرئيس عباس ستكون في سياق أنه سيلجأ رسمياً إلى إعلان "فلسطين دولة تحت الاحتلال"، وسيكون الاحتلال بهذا الإعلان هو المسؤول عن "الدولة الفلسطينية" أمام المجتمع الدولي، وبذلك سيضع مسؤولية الحكم في الضفة الغربية كاملة بين أيدي إسرائيل كقوة محتلة، ولكن السؤال هو هل هذا ممكن الحدوث وهل تم التجهيز استراتيجيا لاحتواء ما سيترتب عليه وأين سيقيم الرئيس عباس نفسه بعدها وهل القيادة الفلسطينية ستبقى داخل الضفة أم أخذت الخطوات البديلة وإن بقيت هل تستطيع أن تدير شؤونها في مواجهة العقوبات الإسرائيلية التي ستفرضها كأمر متوقع في حال تبين جدية هذه الخطوة؟!!! ، ما سبق من أسئلة يفتح المجال أمام التساؤل عن مدى جدية ذلك! ، لذلك يميل بعض المحللين إلى أن هذا هو الخيار الأخير في يد الرئيس عباس ولكنه سيكون كقنبلة عالية الصوت بتوافق كامل حولها تعمل صدى قوى لمدة 48 ساعة وتتهيأ الظروف لاستقبال الرئيس أثناء عودته إلى المكان الذي خرج منه وهو رام الله ويكتمل الفيلم باستقبال جماهيري كبير وبعد مرور الوقت يكتشف الجميع بأن الأمر لا يعدو حبر على ورق وتستمر المسيرة على أمل حباكة مفاجأت جديدة على أمل أن تكون داخل خط التماس ولكن الحقيقة تقول أن الشعب الفلسطيني سيكون حاله من هول الصدمة كأن من يقول أجت الحزينة تفرح ما لقت لها مطرح!!.
أخيراً ، لابد من التنويه بأننا سمعنا من الرئيس محمود عباس من قبل حديثه عن مفاجأت تحمل قنابل كثيرة ومثيرة وكأننا في فيلم اكشن سرعان ما تذهب بهجة المتعة للاستمتاع به بعد أن نعرف النهاية ، وها نحن بعد الكثير من قنابله السابقة وجدنا أن شعبنا يتفتت ويتألم ويتوجع وقدسنا تهود وأراضينا تصادر ونسائنا تتسول وأطفالنا يحرقون وكبارنا مجروحون وشبابنا بلا أمل يسيرون في الشوارع وكأنهم سكارى وما هم بسكارى، ولا زال الرئيس يتحدث عن قنابل سئمها شعبنا ولا يريد إلا أن يعيش يوم ليرى أن رئيسه يعطيه أمل بأن غداً افضل من خلال وحدةٍ وطنية مُلِحة وإنهاء مرحلة انقسام بغيضة وإعلان عن موعد انتخابات ملزم للجميع لتجديد شرعيات مهترئة ومحاسبة فريق من الفاسدين تغول على كرامة شعب بأكمله وسرق مقدراته، وحينئذ نستطيع القول بأنه جاد بما هو ذاهب إليه وسيدخل الأمم المتحدة ليعلن رسالة سلام حقيقية من أجل شعب عظيم يستحق الحياة بدلا من ضرب قنابل صوت فارغة جعلت منه شعب ذليل، لا ندري تأثيرها في هذه المرة من حكاية البروباجندا القائمة أين ستكون من خط التماس في نهج الرئيس عباس!!!!.