الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

كأنه البارحة

كأنه البارحة

تاريخ النشر: 2020-09-27 | 18:38

عبد الناصر عوني فروانة
عبد الناصر عوني فروانة

"كأنه البارحة". هذا ليس مجرد عنواناً لمسلسل تلفزيوني، أو اسماً لواحد من أفلام الدراما، وانما يعكس حقيقة أننا نحن الأسرى المحررين ليس باستطاعتنا نسيان الألم. فالألم باق ولا ينتهي بفعل الزمن.

مرّ واحد وثلاثون عاماً على اعتقالي للمرة الرابعة، لكنني ما زلت اتذكر تلك الليلة بتفاصيلها، كانت في مثل هذا اليوم من عام 1989، وكيف يمكن لي أن أنساها والذاكرة تحتفظ بتفاصيل أحداثها في الساعات الحالكة، وما مورس ضدي من تعذيب في أقبية التحقيق خلال الشهور الأولى من فترة سجني تلك التي امتدت لسنوات طوال. أنا الأسير المحرر الذي كلما مرّت الذكرى، تذكرت ذاك اليوم وكأنه البارحة، فيزداد ألمي ووجعي وقهري. وكيف يمكن أن تُمحى تلك الأحداث المؤلمة والمزعجة من ذاكرتي، وآثار التعذيب تلاحقني والمُعَذِبين طُلقاء ؟.

أذكر جيداً أنه في ليلة الخامس والعشرين من أيلول/سبتمبر1989، داهمت قوات الاحتلال المدججة بالسلاح ورجال المخابرات الإسرائيلية، بيتنا الصغير الكائن في حارة "بني عامر" القديمة في حي "الدرج" العتيد وسط مدينة غزة، وقاموا بتفتيشه والعبث بمحتوياته، وقالوا لوالداي: خمس دقائق وسيعود.!

أخذوني الى خارج البيت، كبّلوا يداي ووضعوا عصبة على عيناي وألقوا بي في جيب عسكري واقتادوني الى جهة مجهولة، الى أن وصلت الى سجن غزة المركزي "السرايا"، وبعدها زج بي في زنازين ضيقة وقذرة لا تدخلها أشعة الشمس، بقسم التحقيق هناك، الذي كان يُعرف بـ"المسلخ"، لما عُرف عن قسوته وشدة التحقيق والتعذيب فيه. وأمي ومعها والدي ينتظران عودتي بعد انقضاء الخمس دقائق، وقد عُدت إليهما بالفعل ولكن بعد خمس سنوات.!

تجربة اعتقالية كانت هي الأقسى من بين تجارب الاعتقال التي مررت بها في حياتي، حيث مكثت مائة يوم متواصلة، بين المسلخ القاتل والزنازين الضيقة المعتمة، تعرضت خلالها لصنوف مختلفة وبشعة من التعذيب الجسدي والنفسي، ومكثت فيما يُطلق عليه الأسرى "الثلاجة" أياماً وليالي طوالاً. وما تزال ماثلة في عمق وعيي صورة المحقق المستمتع بتعذيبنا، وكذلك موت الأسيرين خالد الشيخ علي وجمال أبو شرخ اللذان استشهدا على يدي ذات المحقق، في تلك الأيام العصيبة.

تلك التجربة التي امتدت إلى مئة يوم من التعذيب المتواصل داخل أقبية التحقيق، كانت فترة مؤلمة ومعاناتها قاسية، وكل من عايشها يُدرك ما أقول، فلطالما تمنيت خلالها الموت مرة واحدة، كي لا أموت ببطء مرات ومرات عدة، وهي تجربة شخصية تتشابك بالتأكيد مع التجربة الجماعية لكل الأسرى الفلسطينيين؛ وهناك من التجارب أكثر قسوة، وقد تكون تجربتي هذه أقل مرارة من غيرها، إذ أن ما من فلسطيني مرّ على سجون الاحتلال ودخل زنازينها، إلا وتعرض للتعذيب. وما من معتقل عُذب إلا وقد بقيت صورة المُعذِب عالقة في وجدانه، محفورة في ذاكرته.

لقد عشت وعاش الآخرون تجارب لا يمكن تصورها، بل ويصعب على الإنسان تخيلها ووصفها، واستمعت لشهادات عديدة روت فظائع الموت، التي تملأ السجون الإسرائيلية، من أناس قُدر لهم أن يخرجوا من السجن أحياء، وكان حديثهم يفيض بالألم والمرارة.

فلقد أفاد هؤلاء الناجون من الموت بأن أشكال التعذيب في السجون قد تطورت أساليبها، وتنوعت أشكالها الجسدية والنفسية والتي لا يمكن الفصل بينهما، وأن آثارها تغولت في الروح والجسد لتمتد إلى ما بعد فترة الاعتقال، لتلحق أضرارا بعيدة المدى بالصحة الروحية والنفسية والجسدية، وقد يصعب استئصال موطن الألم الجسدي أو النفسي، وهنا يكمن جوهر فظاعة التعذيب.

إن التعذيب بشقيه الجسدي والنفسي، لم يكن يوما حادثة عفوية أو فردية، تُمارس داخل غرف التحقيق في هذا السجن، أو في محيط ذلك المركز المخصص للتوقيف، وإنما شّكَل نهجاً أساسياً وممارسةً مؤسسيةً، وجزءً لا يتجزأ من معاملة المعتقلين الفلسطينيين اليومية في سجون الاحتلال الإسرائيلي، ويشارك فيه كل من يعمل في المؤسسة الأمنية، وبشكل مباشر أو غير مباشر ينضم إليهم العاملون في مهنة الطب، بما يتنافى وأخلاقيات ومبادئ مهنتهم (الإنسانية).

إن تأملا متمعنا في ممارسات محققي جهاز المخابرات الإسرائيلي (الشاباك)، يجعلك توشك أن تظن بأنهم ليسوا بشراً، لأن هذا الحجم الهائل من القسوة، التي تظهر على وجوههم، حين يرون ضحيتهم يتألم، يجعلك تعتقد ذلك. لا شك بأنهم قد ولدوا، كما يولد الآخرون، من أمهات من البشر. إنهم يبدون لك للوهلة الأولى ناسا من الناس. لكنك حين ترى كم هم عصبيون في تصرفاتهم، وكم هي قاسية تعبيرات وجوههم، تبدأ في مساءلة نفسك: هل هؤلاء اللذين يتضاحكون لسماعهم صرخات الألم، ويتباهون بذلك فيما بينهم، ويبتسمون وهم يراقبون عذابات ضحاياهم، يمكن أن يكونوا بشراً ؟

أنهم مرضى نفسيون، وإن هؤلاء المرضى يشعرون بسعادة غامرة، حين يرونك تتقيأ من شدة الألم، أو تتدهور أوضاعك الصحية، فتوشك على الموت، ثم لا يكتفون بالامتناع عن تقديم المساعدة، بل يركلونك بأقدامهم، كما لو كنت كلبا في دول لا تحترم حقوق الحيوانات!.

أيها الناس: أظن وأكاد أن أجزم أن كل من كان منكم معتقلا في سجون الاحتلال، هو مثلي لا زال يحتفظ في ذاكرته تفاصيل ما تعرض له من تعذيب على أيدى أولئك "المحققين" وكأنه البارحة. ويبقى "التعذيب" جريمة لا تسقط بالتقادم

×
أخبار
القرن الأفريقي ساحة تنافس جديدة: النفوذ المتكامل لتركيا يقابله الحسابات البحرية لإسرائيل خبراء ودبلوماسيون: السعودية تعيد رسم عقيدتها الأمنية دون التخلي عن "المظلة الأمريكية" إصابات وتوغلات متصاعدة جنوبي لبنان وسط استمرار الخروقات لـ"اتفاق صيغة الإطار" سجال حول انحياز "نيويورك تايمز": الصحيفة تعتذر وتعدل مقالا حول قتلى 7 أكتوبر الشيخ يطالب بروكسل بالضغط على إسرائيل لتسهيل الانتخابات واحتجاز «المقاصة» تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس الجامعة العربية ترحب بالقرار الأممي بشأن مشاركة دولة فلسطين في أعمال الجمعية العامة مركز "عدالة" يرد على طلبات شطب القوائم والنواب العرب وعوفر كسيف من انتخابات الكنيست شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج قرار إسرائيلي بحظر وصول المزارعين الفلسطينيين لحقول الزيتون المصنفة "أراضي دولة" تحليل: حرب فبراير 2026 عززت موقع إيران الإقليمي وكشفت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية أمريكا تمنح مسؤولين إيرانيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تقرير: "تحالف مكة" يجمع القدرات الدفاعية للرياض وأنقرة وإسلام آباد دون قيادة موحدة أمريكا توافق على بيع محتمل لطائرات "إف-35" إلى السعودية بقيمة 24.3 مليار دولار التحول الديموغرافي يعيد رسم خريطة الناخبين في الولايات المتحدة الأردن وفرنسا تؤكدان ضرورة اتخاذ خطوات عملية لتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة اشتية يدعو اليابان إلى الاعتراف بدولة فلسطين نقابة الصحفيين الفلسطينيين تجدد إدانتها لتصعيد الاحتلال حملات الاعتقال والاستهداف بحق الصحفيين

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط