تاريخ النشر: 2023-01-12 | 19:43
تاريخ النشر: 2023-01-12 | 19:43
رغم ضآلة تجربتي الخاصة كأسير سابق في سجون الاحتلال لمدة (4) سنوات، مقارنة ً بتجربة المناضل الوطني كريم يونس في سجون الاحتلال البالغة (40) سنةً، لكن هذه المدة القصيرة نسبياً خلف القضبان تمنحني فرصةً متواضعة للكتابة من الأسرى وليس عنهم، والفرق بين الحالتين كالفرق بين الشعور بالبرودة في ليلِ شتاءٍ قار واستشعار البرودة في نهار صيفٍ حار، أو كالفرق بين الإحساس بالحرارة في نهار صيفٍ قائظ وتخيّل الحرارة في ليلِ شتاءٍ قارص. وهكذا الكتابةُ من الأسرى بشعورهم تولد من رحم المعاناة، والتعبير منهم بإحساسهم يخرج من قلب المقاساة، لاسيما عندما تكون الكتابة والتعبير عن رمزٍ وطني وجبلٍ فلسطيني قضى أطول مدة في الأسر الصهيوني سجيناً لمدة (40) عاماً، وهو المناضل الوطني كريم يونس.
كريم يونس رمزٌ وطني يُجلّه الشعب الفلسطيني ويُكرّمه، فضمه إلى قائمة الرموز الوطنية السامقة المغروسة في عمق الذاكرة الجمعية والوجدان الشعبي، أمثال: عزالدين القسام، وعبدالقادر الحسيني، وياسر عرفات، وأحمد ياسين، وفتحي الشقاقي، وجورج حبش، وغيرهم، الذين اتخذهم الشعب نجوماً يهتدي بهم عندما يشتد ليل الاحتلال سواداً وظلاماً، وملاذاً يلجأ إليهم عندما تزداد نار الفُرقة احمراراً وحماوةً، وقناديلاً تُضيء بنورها طريق الكفاح للمناضلين وتشحن بزيتها روح التضحية للمقاومين، فأصبح كريم يونس مثل كل الرموز الوطنية الذين أحبهم شعبهم لأنهم أجادوا: صناعة الفرح وقت الحزن، وزراعة الأمل زمن اليأس، وإلهام البصيرة حين التيه، وتنوير الطريق وسط الظلام، وتصويب البوصلة بعد الانحراف.
كريم يونس جبلٌ فلسطيني يُبجلّه الشعب الفلسطيني ويوُقّره، فضمه إلى قائمة الجبال الفلسطينية الشامخة الراسخة في عمق الأرض الفلسطينية والجغرافيا الوطنية، أمثال: الجرمق، والكرمل، وعامل، وعيبال، والمكبر، وجرزيم، وغيرها، فقد صمد كريم يونس صمود الجبال الفلسطينية على مر الزمن أمام العواصف والأعاصير، ونجا بمدد الله ثم إرادته الصلبة من كل أساليب التدمير الجسدي والنفسي، فانتصر على جلاديه وهزم سجانيه، وأعطى نموذجاً مُشرّفاً لصمود الشعب الفلسطيني في أرضه ومقاومته لعدوه، وأعطى مثالاً حياً لانتصار: الموت على الحياة، والدم على السيف، والحرية على القيد، والأمل على اليأس، والإرادة على العجز، وأثبت حقيقة أنَّ الإنسانَ حرٌ طالما امتلك: إرادة الحياة، وروح التحدي، وعزيمة الكفاح، وشوق الحرية، وسر الصمود، وفلسفة المقاومة... حتى لو حجبه السجن أو غيبّه القبر.
كريم يونس الرمز والجبل أدرك أنَّ الأسيرَ شهيدٌ حي داخل أقبية السجن ، تسكنُ نفسه نار المأساة، وتسكن روحه نور الأمل، ومع توالي الأيام والليالي، تصهره نار المأساة مع انحسار مُتع الحياة، ويطهره نور الأمل مع إدراك سر الحياة، وبين تجاذب المأساة والأمل يستعيد السجين كامل إنسانيته وجوهر حياته، مُتجرداً من الإضافات ومتعرياً من الزخارف، فلا يبقى إلاّ إنسان تسكنه إرادة الحياة تشحذها شعلة الإيمان المتوقدة في النفس فتضيء عتمتها وعتمة السجن، وما بين تقلب المأساة والأمل ظل الشوق للحرية يعانقه مع إخوانه الأسرى كل ليلةٍ عندما يُرخي الليل سدوله، فيحتضن الأسرى أحلامهم بالحرية عند نومهم، فتضفي عليها قدراً من السكينةِ والأمان والرجاء، حتى يوقظهم كابوس الواقع مصحوباً بعدد الصباح (الإسفيراه)، وهكذا دواليك حتى يكتب الله للأسرى الحرية من سجن المكان أحياء أو سجن الجسد شهداء.