ستُحفر في الضمير العالمي صورة « إسرائيل » كوحش ملطخ بالدماء جاهز في أيّ لحظة لارتكاب جرائم حرب وغير مستعدّ للالتزام بأي شرط أخلاقي .
قول للصحافي اليهودي أوري أفنيري ، وهو غني عن التعريف، ولسنا في صدد تناول شخصيته وسيرة حياته .
لكن يهمنا الاستشهاد بكلامه حول الكيان الغاصب وممارساته الإجرامية . وأوري هذا قدم إلى أرض فلسطين غازياً إذ تطوع في عصابات الأرغون الصهيونية الإرهابية ، لقتل الفلسطينيين وحملهم على ترك وطنهم له ولأمثاله من قطعان المستوطنين .
وبالعودة إلى ما قاله في توصيف دقيق لحقيقة الكيان المجرم وغير الأخلاقي ، فإن حديثه ورد في معرض وصفه الكيان الصهيوني وجرائمه في حق الشعب الفلسطيني في القطاع . وبغض النظر عن توافقنا مع أوري أفنيري أو عدم توافقنا ، ولسنا متوافقين بالتأكيد ، فإن ما وصف به كيان الاحتلال صحيح مئة في المئة واختصر بكلمات قليلة ما بُنيت عليه العقيدة الصهيونية من إجرام وعداء ضدّ غير اليهود .
ومن خلال قراءة ومتابعة السلوك العدواني للكيان ، يتأكد لنا أن لا حدود تقف عندها هذه العدوانية التي تتحين الفرص لإثبات ذاتها على خصومها . هكذا هي الحال في الصراع الذي يديره الكيان مع الفلسطينيين ، وتحديداً الذين لا يزالون متمسكين ومتجذرين فوق أرض وطنهم فلسطين . فقادة الكيان ، ورغم تكبدهم هزيمتين متتاليتين على يد قوى المقاومة في قطاع غزة عام 2009 وأواخر عام 2012 ، إلاّ أنه ما زال يعتقد أن في وسعه القضاء على مقاومة الشعب الفلسطيني على أرض القطاع الصامد ، مستفيداً مما تشهده العديد من دول المنطقة من تطورات وحوادث بفعل ما سمي بـ« الربيع العربي » ، وتحديداً في سورية إحدى حاضنة المقاومة ورافعتها في فلسطين ، فضلاً عن لبنان . لينطلق نتنياهو وائتلافه الحكومي بعدوان جديد ، ممهّداً لذلك بحملة من الاعتقالات والاغتيالات في الضفة الغربية ضدّ عدد من الناشطين الفلسطينيين هناك ، متوّجاً إجرامه باغتيال ثلاثة مقاومين من حركة الجهد الإسلامي في قطاع غزة .
وكان رد المقاومة ورأس رمحها في التصدي للعدوان الجديد ، أي حركة الجهاد الإسلامي ، سريعاً ومزلزلاً خارج الحسابات في الكيان الصهيوني وقياداته العسكرية الأمنية التي طلبت على الفور من القيادات السياسية في حكومة نتنياهو الاتصال بالدولة المصرية ودعوتها إلى الإسراع في تفعيل اتفاق التهدئة الذي وقع في 21 تشرين الثاني 2012 ، إذ أدرك العدو أن ثمة تحولاً طرأ في طبيعة رد المقاومة الفلسطينية على العدوان ، وقدرتها على توسيع رقعة إطلاق الصواريخ لتبلغ عمق الكيان والمدن الفلسطينية التي يحتلها .
على نحو أقوى وأشمل من الرد على العدوان عام 2012 . في تكرار لمشهد 2006 في لبنان ، بغض النظر عن قوة رد المقاومة ومواجهتها احتمالات توسيع العدوان وإمكان تدحرجه ، وصولاً إلى الاجتياح البري بحسب اقتراح الإرهابي ليبرمان ، ووزير الحرب موشيه يعالون الذي أخفق مرة جديدة في إلحاق الهزيمة بالمقاومة وقواها في القطاع ، على عكس ما كانت عليه تقديراته وجنرالات الحرب في الكيان وقياداته السياسية التي أرادت أن توظف التطورات في المنطقة لمصلحتها وفرض رؤيتها للحل على مسار المفاوضات مع السلطة الفلسطينية أو تعطيلها ، بعد إظهار السلطة ورئيسها أبو مازن بمظهر عدم الراغب في السلام مع « إسرائيل » ، وإتاحة الفرصة لأوباما كي يمارس المزيد من الضغوط على أبو مازن في واشنطن للقبول بخطة كيري « الحل الانتقالي » ، وبالتالي الدخول على خط التعطيل أو المشاغبة على مفاوضات الملف النووي الإيراني مع دول 5 1 عقب فشلها في تخريب الاتفاق الموقت لهذا الملف قبل أشهر ، مستغلة ما سمّته سفينة السلاح الإيرانية المتوجهة إلى قطاع غزة ، والتي اعترضتها في المياه الدولية على مسافة 1500 كلم من سواحل فلسطين المحتلة ، بالتعاون الاستخباري مع عدد من الدول وفي مقدمها أميركا ، في محاولة يائسة للتحريض على إيران علّها تعطل المفاوضات التي بدأتها الدول الكبرى معها ، ومحاولة حكومة نتنياهو استدراجها إلى ضوء أخضر أميركي في شن عملية عسكرية ضد قطاع غزة الذي يعاني حصاراً مطبقاً تداعياته كثيرة على مناحي الحياة في القطاع وعلى أهله .
فالصمت الذي كسرته صواريخ كتائب المقاومة وسرايا القدس هو الرد الحاسم على أطماع الكيان وأهدافه القريبة والبعيدة .
وبالتالي ، فإن الصمت الذي يحاول الأميركي فرضه على قوى المقاومة كسرته الصواريخ التي بلغت في ساعات الرد الأولى على العدوان مئة وخمسين صاروخاً في قطاع غزة ، ليلاقيه كسر للصمت من نوع آخر لا يقل أهمية عنه بل يتكامل معه في رسم المشهد الإقليمي والدولي من فلسطين إلى سورية حتى أوكرانيا.