تاريخ النشر: 2017-05-05 | 23:42
تاريخ النشر: 2017-05-05 | 23:42
تمر فلسطين وكفاح شعبها في مرحلة حساسة ودقيقة لان هناك عدة عناصر متناقضة ومتعاكسة تحيط بها وكل منها يشدها الى اتجاه مما يزيد المشهد ارتباكا والفهم حيرة.. وفيما نحن نتابع معركة الامعاء الخاوية التي اطلقها الاسرى الفلسطينيون في السجون الصهيونية نكاد نشعر بانشطار حقيقي بين قطاع غزة بقيادة حركة حماس والسلطة الفلسطينية في رام الله هذا الانشطار الذي يتعزز يوما بعد يوم باجراءات متبادلة تكرسه وتجعل الرجوع عنه ليس سهلا على الاقل في المدى المنظور.
بمعنى اكثر وضوحا نعيش حالة تناقض كبيرة وخطيرة بين قواعد الكفاح الفلسطيني وطلائع المجاهدين الفلسطينيين ورموزهم النضالية في السجون حيث قيادة فتح والجبهة الشعبية وقيادات العمل العسكري من حماس والجهاد والديمقراطية هذا من جهة فيما تتمثل الجهة الاخرى في القيادة السياسة لحماس وفتح التي لم تستوعب كيفية الخروج بالاتفاقيات الموقعة الى حيز التنفيذ حيث ظلت حركة حماس وفتح ترواحان في المكان نفسه عند الخطوة الاولى للتنفيذ فحركة فتح تصر على ان تتخلى حماس عن كل مظاهر قوتها في قطاع غزة وان تسلم كل شيء للسلطة فيما ترى حماس ان الامر في الواقع ليس مستساغا ولا ممكنا بعد ان اصبح جيش حماس بعشرات الالاف وبعد ان تشكلت الادارة بكل عناوينها ومضامينها في قطاع غزة من قبل حركة حماس على انقاض انهيار السلطة التي انسحبت من مواقع العمل بمجرد اقتحام حماس مقرات السلطة الامنية في غزة.
من المهم ملاحظة ان الاضراب الحالي يتميز عن جولات الاضرابات السابقة فالعملية يقودها الان مروان البرغوثي الاكثر ثقة في اللجنة المركزية لحركة فتح و سعدات الامين العام للجبهة الشعبية وكذا قيادات متقدمة من حركة حماس والجهاد والديمقراطية وهذا في ظل توافق تام وتشكيل قيادة داخلية برئاسة مروان برغوثي واتفاق على برنامج عملياتي يجعل من وحدة القيادة امرا راسخا.. فكان هذا شرطا ضروريا للخروج من حالة التشظي المتنامية في خارج السجن وتعتبر هذه العملية الخطوة الكبيرة الثانية بعد ان قامت القيادات الفلسطينية في السجون باعداد وثيقة الوفاق الوطني والتي اعتمدت من قبل كل الفصائل الفلسطينية رغم عدم جدية المتخاصمين الفلسطينيين في تنفيذها.
والامر الذي يعطي للاضراب اهمية قصوى هي المراهنة على ان العدو لن يسرع بتحقيق مطالب الاسرى ولن تكون سابقة يوقعها العدو بيديه بل سيتجه الى مزيد من ارهاق الاسرى وسيحاول بكل وسيلة تفتيت الاضراب واحتوائه مع التماطل والتسويف الامر الذي يعني بوضوح ان مخاطر حقيقية ستلحق ببعض الاسرى المضربين مما يعني بوضوح ان ضحايا ستسقط في هذه المعركة القاسية.. مما سيدفع بفعاليات نوعية في المعركة..
هكذا يحدد الاضراب اتجاه محددا معينا على طريق التصعيد مع العدو والعمل الفلسطيني المشترك وهو قد استطاع خلال ايامه العشرين الاولى ان يضخ دماء ساخنة في عروق الشعب المشتت سياسيا وجغرافيا فاذا به في كل مكان من فلسطين والشتات يتحرك خلف قياداته المجاهدة في السجون.. ولقد كان لافتا ان يتحرك الفلسطينيون في العمق الفلسطيني والشتات بهذا الحجم الواضح الكامل فلقد تميزت نشاطات الفلسطينيين في العمق الفلسطيني بفعالية ووضوح رفع من نصيب الانتماء الوطني والمشروع الوطني الشامل والعمل بنفس الوتيرة وفي نفس الاتجاه مع المجموع الفلسطيني.. وهذا يعني لاول مرة ان الفلسطينيين يتحركون بايقاع واحد وبتعاط ذا حساسية واحدة مع الاحداث ولم ينس هؤلاء جميعا ان يتجاوزوا حالة التشظي والانقسام البغيض.. وهكذا يصبح الاضراب هو عنوان فعل الكل الفلسطيني الذي حاول من مدة ليست قصيرة ان يتلملم لاسيما وانتفاضة القدس وتمددها في اكثر من مكان باساليب مبدعة شكلت له عنوانا جديدا بعيدا عن الاحزاب واختلافاتها.. وهكذا تلتقي انتفاضة القدس بالاضراب فتمنح الشعب فرصته في الخروج من جو المخاصمات الة فضاء الكفاح والتصدي للعدو الصهيوني.
ولكن على الجبهة الرسمية هناك هموم أخرى ففي حين مثل فشل العلمية السياسية للسلطة هما وهاجسا لايقل عن ما شكله انفصال غزة العملي على واقع السلطة التي اصبحت بلا وظيفة محددة بعد ان حاول الاحتلال تحويلها وظيفيا الى مهمات تخفف اعباءه الامنية والادارية كما صرح الرئيس الفلسطيني اكثر من مرة ان الاحتلال الصهيوني هو الاقل تكلفة من اي احتلال اخر وان اسرائيل تماطل وتضيع الوقت لتزيد من نشاطها غير المشروع بالاستيطان.
وفي جهة حماس حيث اعباء المعيشة في القطاع الاخذة بالتصاعد خلال اكثر من عشرة اعوام وتواي الحروب الجنونية على غزة والحصار المستمر وتفشي حالة البطالة مع تدفق افواج الخريجين كل ذلك جعل حماس محاصرة على صعيد التفكير وانعدام الخيارات.. هذا في حين واجهت حماس تجفيف مصادر الاموال من الخارج لاسيما بعد الجفاء الحاصل مع ايران على اثر موقف حماس من النظام السوري..
السلطة باوضاعها المرهقة وحماس باوضاعها المرهقة كان لابد ان يقتربا لان في تعاونهما وتكاملهما تتوفر الفرصة لتخفيف اعبائهما والتخفيف تلقائيا عن الشعب الفلسطيني، الا ان تطورات دراماتيكية حصلت بين السلطة التي تقودها فتح في رام الله وحماس التي تسيطر على قطاع غزة.. حيث ذهبت حماس الى تشكيل لجنة ادارية لقطاع غزة الامر الذي اعتبرته السلطة تشريع للانفصال فردته عليه بسلسلة اجراءات تمس معيشة موظفي السلطة بغزة واجراءات اخرى تمس الحياة بغزة فصعدت حماس موقفها الرافض للاجراءات والرافض الاستجابة الى تهديدات السلطة.
على ارضية هذا كله انتقل الفعل الفلسطيني السياسي الى خطوتين "متنافستين" حيث كانت زيارة الرئيس الفلسطيني الى واشنطن والتقاؤه الرئيس الامريكي للتأكيد على حل الدولتين فيما توجهت حماس للاعلان عن وثيقتها السياسية التي لم تحمل جديدا الا في مسالة اقامة الدولة على قطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشريف ورغم ان الوثيقة لم تتطرق الى حل الدولتين او الاعتراف بدولة اسرائيل الا ان المراقبين تساءلوا عن سر حشر هذه الجملة في الوثيقة وارجعه كثيرون الى انه مطلب تركي قطري لكي تتجنب حماس التصنيف الامريكي للارهاب بل وتصبح حركة حماس مقبولة دوليا وامريكيا.. ولقد قرا المجلس الثوري لحركة فتح ان اقدام حماس على تلك الخطوة انما هي محاولة من حماس لتقديم نفسها كبديل لمنظمة التحرير.
ليس من المتوقع ان يحصل اختراق ما في الوضع الفلسطيني على الصعيد الداخلي اما على صعيد العلاقة بدول الاقليم والموقف الدولي فسيخضعون بكل اجزائهم لابتزاز واغراء بعضهم بالبعض الاخر.. وسيرى الجميع ان كل الوعود المقدمة سرا وعلنا ليست سوى دفعا لكل طرف نحو مزيد من التعقيد.
من هنا تأتي اهمية العملية الثورية الكبيرة اضراب الاسرى.. انها انقاذ للقضية الفلسطينية من التيه كما انها الخطوة العملية الحقيقية لتوحيد الوطن الفلسطيني والشعب الفلسطيني ومن هنا يصبح على كل حريص ومخلص ووطني ان يدعم توجه الاضراب ورفع رايته ليكون عنوان العمل الفلسطيني من كل المواقع.. تولانا الله برحمته