لا نحتاج إلى دليل لإثبات حقيقة أنّ المصالحة والوحدة الوطنية هي الضرورة الملحّة والأفضل لشعبنا وأمتنا.. وإذا كان من دليل يستدلّ به البعض من أنّ ما يراه العدو شرّاً عليه هو خيرٌ لنا والعكس صحيح.. فقد كان قد توفّر لنا الدليل الأنصع الراسخ قبل أيّ دليل، وذلك في قرآننا الكريم الذي لا يأتيه الباطل؛ إذ يقول الله تعالى لنا فيه:\\\" واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا..\\\" وهذا الاجتماع دون افتراق، وهذه الوحدة بلا شتات لا شك تكون بهما القوة التي تقضّ مضاجع العدو ولا تريحه، أما الانقسام والتفرق فهو ما يرضيه ويغنيه باقتتالنا فيما بيننا عن قتالنا له، وانشغالنا بأنفسنا عن الانشغال به! ولكن على أية قاعدة أم بأيّة وسيلة يكون هذا التجمع وهذا الاتحاد؟ إنه ـ كما تبيّن لنا الأية الكريمة ـ حبل الله.. دين الله! وما أولوياته ليستمر ناجحاً بلا انتقاض؟ تكمل الآية الكريمة لنا توجيهها بذلك:.. إذ كنتم أعداءً فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا\\\" فهو إذن تقارب القلوب وزوال الأحقاد.. ولن يكون ذلك إلا بالتوجه إلى الله تعالى وتطبيق حكمه وتحكيم سننه: بالعفو والصفح والتسامح والإخاء وعدالة الحكم ونزاهة الحكام.. لقد حمدنا الله تعالى وانتشينا جميعاً لهذه الخطوة الأخيرة على طريق تحقيق المصالحة الوطنية والتي خرجت بتوقيع اتفاقية جديدة بين الطرفين على خطوات عملية محددة بتواريخ.. فهل هي الثالثة الثابتة أم الرابعة التي تردفها التابعة فالسادسة فالسابعة؟ وقد سبقتها الثلاث الظاهرات.. والتي مرّ عليها السنوات في مشافي ثلاث من كبرى العواصم، حبالى بغير ميلاد! وهل تتنفس القابلات الصعداء بمولد النجيبة من الرابعة النُّفَساء؟ أم سيطلع الصباح فتسكت شهرزاد عن الكلام المباح؛ لتواصل في ليلةٍ أخرى ملهاة قصصها فيما لا يُعلم عدده من أيام وليالي الحصار على شعبنا، وظلام السجون على أسرانا، ومزيد من ابتلاع العدو لأراضينا وتهويد قدسنا ومصادرة قرانا؟! بالطبع فإنّ ما نأمله ونرجوه غير ذلك! لكنني تساوقاً مع الحدث أطرح سؤالاً محاولاً أن أضع رؤيتي منه وجوابي عنه وهو: هل يمكن للفريقين المختلفين رؤيةً في مواقف التعامل مع العدو أن يتخذا قراراً موحداً مشتركاً وما السبيل إلى ذلك؟ ولا خلاف في حال من التقارب والائتلاف أنه لا بدّ من القرار الموحّد، وأنّ السبيل لذلك ليس إلا بالتنسيق لمرجعية وطنية توافقية جديدة، مما يحتاج إلى إعادة بناء وتفعيل منظمة التحرير؛ لتضم كل فصائل وطوائف الوطن بما فيها الفصيلة المستقلة والمسيحية والإسلامية، كما يحتاج الأمر إلى انتخاب الرئيس الذي يتمتع بصفات العلم والنزاهة والعفة والتقوى والحكمة والشجاعة الأدبية: لا يداهن ولا يحابي ولا يخشى في الحق لومة لائم! وعلى مثله من الصفات ما أمكن يكون من ينتخبون ممثلين لفئات الشعب في مجلسه الوطني والتشريعي.. وأختم قولي في هذا السياق إلى أنّ طريق المصالحة ليس مفروشاً بالورود، بل تكتنفه الأشواك التي تحتاج إلى خشونة من الأقدام تصبرعليها، وشحنة من الإقدام على اتخاذ القرار الصعب، من مثل الاستغناء عن المساعدة الأجنبية ولو بشدّ الأحزمة على البطون.. ومن مثل اتّباع الطريق الأوحد لاسترداد الحق وتحرير الديار، ألا وهو طريق الجهاد والمقاومة بقوة الحق وقوة الإيمان .. هذه كلمتي على طريق المصالحة والوحدة المرجوة، وليتها تطرق الأسماع فتقع على قلوب واعية ونفوس عالية تبغي صحة المسار والمصلحة والخير للشعب والأمة .