تاريخ النشر: 2020-04-19 | 09:17
تاريخ النشر: 2020-04-19 | 09:17
التناقض الآخر الذي ظهر في زمن كورونا، وقد يكون سباقا على نظرية المؤامرة او مرافقا ومغذيا وشاحنا لها، هو التناقض بين العلم والرؤية الدينية للأوبئة.
لا أعرف لماذا يصر البعض على الزج بالدين في تفسير قضايا العلم والحياة والأمراض، رغم أنه من المعروف ان مثل هذه المحاولات سيكون نتيجتها الفشل الحتمي والإساءة إلى الدين، المكون الايماني والروحي للانسان بصفة عامة، والمؤمنين بصفة خاصة. كما سيكون مصير هذه المحاولات العاجزة مثل مصير المحاولات السابقة، التي حاولت من خلالها الأحزاب الدينية استغلال الدين في السياسة من أجل الوصول إلى كرسي الحكم، رغم كل المآسي والمصائب التي نتجت عن هذه المحاولات، والتي كان في مقدمتها الإساءة للدين نفسه.
دون أن نخوض كثيرا في التفاصيل، رغم أن ما قيل في ذلك كثير الكثير، يمكن تلخيص ذلك في عدد من المحاور الرئيسية:
رؤية الفيروس كجند من جنود الله.
النظر للوباء كابتلاء للمؤمنين وبلاء على الكافرين،
الادعاءات الكثيرة حول اكتشافات بعض الأدوية، بدءا من الكمون والسماق وليس انتهاء ببول الابل وغائط الابقار. قضية اكتشاف أدوية ووصفات وهمية لم تقتصر على ادعياء الدين، بل امتدت الى ادعياء العلم والاعلام وربات البيوت، ووصلت الى مرحلة التنافس في تسجيل هذه "الانجازات" كل لدولته وبلاده؟!
ثم الادعاء، الذي قد لا يكون الأخير، في تحديد مواعيد لانتهاء الوباء "بشارة من علماء أمتي.. عمر الوباء لا يتجاوز خمسة أشهر". حدد البعض ذلك في بداية شهر مايو عند سطوع نجم الثريا في سماء الشرق، ماذا عن الغرب؟! هل يظهر النجم في كل البلاد في نفس الزمن ونفس التوقيت؟!. وماذا عن وباء الانفلونزا الاسبانية الذي وقع في عشرينيات ق20 واستمر لمدة سنتين؟!.
طبعا كما هو معروف علميا فإن لكل وباء منحنى يبدأ من الصفر ويتصاعد، ثم ينحني هذا المنحى وصولا إلى تسطيحه، لكن هذا له علاقة بنوع الفيروس وشدة عداوته infectivity of the virus، والإجراءات الوقائية التي يتم اعتمادها، ومستوى المناعة عند الأفراد والمجتمع، الذي تلعب فيه عوامل عديدة، وصولا إلى إنتاج اللقاح من عدمه، هذه هي العوامل العلمية التي تتحكم بفترة الوباء وحجم الاصابات وشدتها وعدد الوفيات، طبعا يأتي على رأس ذلك الامكانيات الصحية والطبية والاقتصادية للبلاد لمواجهة انتشار الوباء، ومدى التزام الشعوب بالتعليمات واتباعها المنهج العلمي في تغيير عاداتها وممارساتها لتتماشي مع ما يطلبه العلم وتفرضه اللحظة الصعبة. من الممكن الاستفادة من تاريخ الأوبئة التي وقعت بين الأمم دون تحميل ذلك وإسناده إلى الدين زورا وبهتانا؟!.
ظهر شكل آخر لكنه غير انساني، بل ويمكن أن نصفه بالمجرم، وهو استخدام هذا الوباء في احداث الضرر ونشر العدوى بين الشعوب الأخرى، كما ظهر ذلك في نداءات المست/وطنين بالكح والعطس وتلويث سيارات الفلسطينيين لنشر العدوى بينهم. كما انتشر فديو لإعلاميين ونشطاء يطالبون بنشر الفيروس في بلادهم، فقط لانهم يعارضون نظام الحكم ويريدون الانتقام منه؟!. كما طالب أحد اتباع الديانات بنشر الفيروس بين أبناء شعبه من الديانة الاخرى. تطرف فكري وممارسات إجرامية، ما زالت قليلة بل وفردية، لكن من المهم إدانتها وطمسها وهي في مهدها حتى لا تتحول إلى نهج وفكر يؤمن به بعض الجهلة من أصحاب هذه الديانات، لتكون أكبر إساءة لهذه الديانات.
كما ظهر ذلك التناقض في سلوك بعض الجماعات الدينية التي رفضت أن تنصاع لأوامر الحكومات بإغلاق أماكن العبادة ووقف الاجتماعات العامة. أدت هذه الممارسات إلى تفشي الوباء في مدن هذه الجماعات الدينية وتحويلها إلى بؤر لنشر الوباء في كل البلاد، كما حدث في مدينة بني بارك في تل أبيب التي يقطنها 180 الف من الحريديم المتشددين. كما أدت هذه الممارسات إلى انتقال الوباء إلى دول بعيدة بعد عودة المشاركين في هذه الاجتماعات إلى بلادهم الأم.
كل هذه الممارسات دفعت بالأمين العام لمنظمة الصحة العالمية ليحذر من ممارسات بعض الجماعات الدينية، التي اذا ما استمرت، ستؤدي الى انتشار الوباء في بلادها.
الشكل السيء الآخر في التعامل مع هذا الوباء ويتناقض مع الروح الإنسانية التي تحض عليها الأديان وتنادي بها هو الشماتة من انتشار الوباء بين الشعوب الأخرى، وتخصيص الدعاء بالشفاء والخلاص لأبناء هذه الديانة دون غيرها من الناس. من المفهوم أن يمارس هذا بعض العامة بسبب العادات وطول التربية الخاطئة التي عاشوا في كنفها، لكن كيف نفسر أن يتبنى ذلك بعض المتعلمين حاملي الشهادات، بما فيها شهادات العلوم والطب، والذين نهلوا علومهم من أمهات الكتب التي ألفها أبناء وجامعات تلك الشعوب التي تشمت فيها، كما كتب دكتور عمار عرب، جراح الأعصاب الفلسطيني في المانيا، والتي يتلقى البعض مرتبه الشهري من المؤسسة التي يعمل فيها وتعتمد شبه كليا على دعم هذه الشعوب المشموت فيها، هل يتلائم هذا السلوك مع العلم والشهادات التي يحملها مثل هؤلاء؟!. هذه يشبه المهندس الذي درس الفيزياء ومازال يؤمن أن الأرض مسطحة، كما علق أحد النشطاء؟!.
كل هذه الادعاءات أخذت أشكال واسانيد كثيرة، تطورت وتراجعت وخفتت أحيانا عندما أسقط في يدي مدعيها، وانتشر الوباء في كل البلاد وبين كل العباد، وأغلقت بيوت العبادة ومنعت الزيارات للاماكن المقدسة في العالم. هذا دفع عددا من رافضي الفكر الديني أن يطرحوا العديد من الأسئلة عن الدين الذي لم يحمي الشعوب من الأمراض والاوبئة، كان أبرز هذه الاعتراضات ما فعلته مجموعة من النسوة بالصليب في أحد ميادين الفاتيكان؟!.
أن الزج بالدين في مثل هذه القضايا سيسبب حرجا شديدا لأصحاب هذا المنهج، ويظهر بؤس طريقة تفكيرهم وتكون النتيجة الوحيدة الإساءة المعنوية الهائلة للدين وللمؤمنين، إضافة الى تضليل الغلابة الضحية الاكبر لكل وباء ومصيبة.
اتركوا الدين بعيدا عن السياسة، اتركوه بعيدا عن قضايا الدنيا الصغيرة، حافظوا عليه ليبقى معينا روحيا لنا، نتعبد به ونتواصل مع الله من خلاله ليساعد أرواحنا على السمو وحب الخير واحترام البشرية.
اخيرا لابد من القول: المستقبل للعلم والحياة، ولا حياة أو مستقبل خارجهما.