تاريخ النشر: 2020-05-12 | 07:58
تاريخ النشر: 2020-05-12 | 07:58
منذ فترة ليست بقصيرة وأنا أقارن بين مراحل النضال الفلسطيني الذي بدأ مسلحا بما تيسر في العام 1882 إلى يومنا هذا . أخذ النضال الفلسطيني ضد الوجود الأجنبي والمحتل لأرضه أشكالا عدة , إذ كان الاصطدام الأول في العام 1882 عندما حاولت العصابات اليهودية طرد الفلاحين الفلسطينيين من أراضيهم و مزارعهم ثم توالت الأحداث والثورات ضد الانتداب البريطاني و من بعد الاحتلال الصهيوني للبلاد. الشرارة الثانية للاصطدام كان في عام 1929 و كان الشكل الأبرز للنضال هو الكفاح المسلح , إذ كيف لأرض احتلت بالسلاح أن تحرر بغيره خصوصا إذا كنت أنت صاحب الحق وتقاتل على أرضك ومن أجلها.
كان السلاح في تلك الفترة يقتصر على مسدسات صغيرة و بنادق يشتريها الشباب الفلسطيني من ماله الخاص إذ لم تكن هناك أحزاب أو تنظيمات أو دكاكين تابعة لها , لم يكن الهتاف سوى باسم واحد هو : فلسطين.
تطورت أشكال هذا الكفاح نهاية ستينيات القرن الماضي حتى امتدت إلى السبعينات , لتصل إلى الذروة و من مواقع لم يكن يتوقعها العدو الصهيوني , فالبر والبحر كانا المسرحان النوعيان لمثل تلك العمليات الكفاحية و النضالية في تلك الحقبة. في العام 1969 قامت الفلسطينية ليلى خالد بمساعدة سليم العيساوي بخطف طائرة ركاب أمريكية متوجهة إلى تل أبيب , و قاما بتغيير مسار الرحلة إلى دمشق في سوريا و أخرجا الركاب البالغ عددهم 116 آنذاك, و من ثم فجرا الطائرة. بعد ذلك بعام حاولت ليلى خالد خطف طائرة أخرى في أيلول من العام 1970 , لكن العملية لم تتم كما خطط لها , إذ تخلف رفيقان لليلى عن الحضور و قتل رفيقها الذي كان متواجدا معها, و أسرت هي ثم أفرج عنها لاحقا في عملية تبادل أسرى على إثر خطف رفاقها لطائرة أخرى. أما في العام 1977 تم تكليف مجموعة من الشباب الفلسطينيين بمهمة . هذه المهمة تتمثل في اختطاف رهائن صهاينة كي يتم التفاوض مع الاحتلال لإطلاق سراح أسرى فلسطينيين داخل المعتقلات الصهيونية. بدأ النضال الفلسطيني بعد ذلك يأخذ أشكالا أخرى متنوعة بين إطلاق نار على جنود الاحتلال أثناء تجوالهم ليلا أو نهارا , أو إلقاء الزجاجات الحارقة و المولوتوف على الجيبات العسكرية التابعة للجيش الصهيوني . بعد ذلك تكلل النضال الفلسطيني الشعبي ضد الاحتلال الصهيوني بانتفاضة الحجارة و التي انطلقت شرارتها في ديسمبر من العام 1987 من مخيم جباليا في قطاع غزة. استمرت هذه الانتفاضة سبع سنوات , لتنتهي بتوقيع اتفاقية أوسلو و دخول القضية الفلسطينية في دائرة لا منتهية من المفاوضات على الحق الفلسطيني مقابل التخلي عن السلاح ما عدا سلاح السلطة الفلسطينية التي نتجت عن أوسلو . كان لاتفاقية أوسلو الدور الأساسي في اتخاذ النضال الفلسطيني منحنى آخر مختلف عن كافة المراحل السابقة . انقسم الفلسطينيون إلى مؤيد و معارض لاتفاقية أوسلو . المعارضة تمثلت بقوى اليسار الفلسطيني و حركة حماس و هذه الأخيرة اتخذت من العمليات التفجيرية للباصات الصهيونية شكلا من أشكال النضال ضد المحتل , ثم انتهى بها الأمر بالدخول في انتخابات أجهضت نفسها فيها و تحولت إلى سلطة حاكمة في قطاع غزة و كأحد مفرزات أوسلو التي طالما عارضتها ووقفت ضد توقيعها !!!
لم يتوقف الاحتلال الصهيوني في إذلال الشعب الفلسطيني والإمعان في ذلك ولو للحظة , و استمر الأمر ما بعد أوسلو وإلى يومنا هذا . استخدم الكيان الصهيوني كافة الأسلحة المحرمة دوليا و المحظورة عالميا لإبادة الشعب الفلسطيني من خلال ثلاث هجمات متتالية على غزة, اغتال و قصف وهدم البيوت في الضفة الغربية الواقعة تحت سيطرة السلطة الفلسطينية. رد الفعل الطبيعي على هذه الهجمات البربرية واللاأخلاقية هو استمرار النضال الفلسطيني والذي يجب أن يستمر إلى أن ينتهي الاحتلال. تمثل هذا النضال بعمليات فردية بطولية لشباب فلسطينيين حريصين على الوطن ,كل الوطن, ليس الوطن المتآكل والمهترئ ضمن حدود 1967 بل وطنا يمتد من النهر إلى البحر. شيئا فشيئا بدأت جذوة هذا النضال تخبو , وقعت حماس هدنة طويلة الأمد تضمن هي عدم قصف مواقعها ومؤسساتها وبالمقابل تدين أي عمل نضالي متمثل بإطلاق قذائف صاروخية من غزة تعبر عن الغضب الشعبي و الأمر لم يتوقف عند الإدانة بل تحول إلى وقف واعتقال مطلقو هذه القذائف!! تزامنا مع ذلك بتنا نرى أشكالا أخرى للنضال , نضال القرن الواحد والعشرين والذي يشبه إلى حد كبير نضال الهنود الحمر و تشبثهم بأقل القليل الذي يعطي إشارة أنهم كانوا موجودين يوما على أرض سلبهم إياها يوما المستعمر الأبيض العنصري الوقح ! هذا النضال لا يتعدى الحرص على لبس الزي التقليدي و الرقصات الشعبية و تشغيل الموسيقى في المناسبات التي يحيون ذكراها كنوع من اللطم و البكاء على الأطلال , و إذا قارناهم بالفلسطينيين اليوم نجد الحال نفسه! إن حالة الإفلاس التي يمر بها النضال الفلسطيني في السنوات الأخيرة جعلت من مراهقة شقراء _صفعت جندياً صهيونياً_ أيقونة للشعب الفلسطيني . والأدهى والأمر من ذلك أنها جعلت ممن ترتدي كوفية و ثوب فلسطيني مطرز( تتاجر بها في بازارات أوروبا ولديها هوس بالظهور الإعلامي) جزء و جزء كبير و أساسي لأشكال النضال الفلسطيني ! فمنذ متى تقاس المقاومة و الكفاح ضد المحتل بمثل هذه المعايير الدخيلة على القضية الفلسطينية ؟؟؟!!
الصف الفلسطيني المنقسم جعل الجسد الفلسطيني عجوزا خائر القوى ذو مناعة لا تقو على حمله و لا تقوَ على مقاومة وصد الفيروس الاحتلالي الذي يغير من شكله و وظائفه بين فصل وآخر, وفي نفس الوقت نجد أن المضاد النضالي لمواجهة الفيروس يكاد يكون بلا نتيجة في الوقت الراهن لأنه لا يتماشى مع خبث ولؤم هذا الفيروس, أو يكاد يأخذ دور الفيروس نفسه , فالأبحاث أكدت وتؤكد أن سبب الوفاة ليس التهابا رئويا كما اعتقد الجميع منذ البداية , بل بسبب خثرات دموية غير منتظمة تنتشر في الشعيبيات الهوائية للرئتين فتمنع وصول الهواء وتنهي الحياة. لذلك, فإن العلاج الأمثل هو الشكل النضالي الأول , القديم , والأصيل , و هو إزالة هذه الخثرات بتذويبها وإزاحتها من مسالك الهواء كي يتسنى لنا الحياة من جديد, نريد (أسبرين) نضالي مطور ذو جرعات معدلة كفيلة بإذابة هذه الخثرات إلى الأبد, فتتوقف معه الأشكال النضالية المتماشية مع الموضة و إلى الأبد أيضا.