تاريخ النشر: 2017-04-25 | 08:56
تاريخ النشر: 2017-04-25 | 08:56
الحُرية أمرٌ شائك ومعقد ، يتفاوت فيها القياس والماهية التي تُسخر من أجلها ، فالفكر الحُرّ يتكون نتيجة لحالة من الجدل الداخلي بين الروح والجسد كتعبير عن الفرد بذاته أو متأثراً بالمحيط الذي له الدور الأساسي في تشكيل هذه الحالة الطبيعية والتي تولد مع كل إنسان بدرجات متفاوتة ، على اعتبار أن الجسد والروح مكونين كيميائيين مرتبطين ببعضهما الآخر ، فنجد بأن البيئة التي ينتمي إليها الفرد مُكرهاً أو برغبة ، تلعب دوراً بارزاً في تنشئة الفكر ونموه.
ولكن المحدد الرئيس بين درجة تأثير الفكر في مُحركات الجسد ، يتضح من خلال الممارسة والسلوك الذي يقود الفرد ، حيثُ إذا ما اشتد صراعاً داخلياً بين الجسد والفكر ، فإما أن ينتصر الفكر على الجسد ويحركه مع التيار أو يسير بعكسه لتبدأ مرحلة التمرد والاصطدام بالمحيط ، وهذا ما اسميه التمرد المنطقي ؛ لأن حالة التجديد العقلي تتطلب حيزاً من التمرد على الواقع بدافع من الجدل الداخلي ، وإما أن يكون هذا الجدل منطقياً نتاج لحالة من الوعي الإنساني والمتطلبات المتغيرة التي تقف أسيرةً لأحقية التغيير تماشياً مع المسيرة الإنسانية ، أو يكون جدلاً لا منطقياً يهدف إلى اكساب البيئة متغيرات متحيزة جائرة بحق الآخرين ، تكون فيها الأنانية والمصلحة هي المُسيطرة على دافع التغيير ، وبذلك يكون الفكر عباءة لا منطقية لأنها مُشّكلة لخدمة المُفكر لا الإنسانية ككل.
لذلك إن ترك مساحة للفكر الحُرّ هو نمط سائد لا يمكن التغاضي عنه أو قتله في أي مكان وزمان ، فالمسيرة الإنسانية حافلة بالمفكرين على الرغم من حالة الكُره والقسرّ التي كانوا يعيشونها ، إلا أنها باتت تربة خصبة أدت لنشوء حالة الجدل الداخلي ، بين متطلبات الروح ، وبين الجسد الذي بات مُكبلاً بالأغلال ، لذا لابُدّ للدولة أن تخطو منحى متغير تجاه الفكر الحُرّ ، لأنه يشكلُ القاعدة والركيزة الأساسية التي يتشكلُ من خلالها الرأيّ العام ، والذي يعد دعامة الأمن الداخلي للدولة ، فإن غياب الفكر الحُرّ ، يعني أن هُناك هدوءاً ما قبل العاصفة ، فالعاصفة غالباً ما تأتي بالرياح الهادرة والتي لا تأبه بأحد ، تسلبُ معها الحرث والنسلّ وهذا ما أشبههُ بالحرب الأهلية ،فإنفراد الحاكم بحكمه المطلق بالتضييق والوعيد لأي حركة فكريّة تخالفه الرأي والممارسة يعني نشوء الجماعات السريّة المناهضة للحُكم ، والقضاء على أمن الدولة هو النتيجة الحتمية لذلك.
وإن العوائد الممكنة على إفساح المجال أمام الفكرّ الحُرّ هو تقييم الأداء العام لأجهزة الدولة والحصول على تغذية راجعة من إمكانية استمرار أو انهيار النظام القائم مما يساعد القائمين على الحكم في إعادة الاعتبار إليهم من خلال اكتشاف الثغرات التي يتطرق إليها الجدل الفكري وسدها قدر الإمكان للمحافظة على صموده وبقائه .
لذلك يجب على السلطة ألا تتدخل في الحريات الفردية لأنها حق طبيعي يكون الفرد مسؤولا فيه عن نفسه وهو الضامن لحريته ، حيث تنتشر الفوضى والفتن عندما تتدخل الدولة بقوانينها في الأمور النظرية ، وتنتصر لبعض العقائد وتعادي البعض الآخر. ولن تنتشر الفتن إلا إذا وضعت الدولة الأفعال وحدها ، دون الأقوال ، تحت القانون حتى يستطيع كل فرد ممارسة حريته كيفما يشاء ، بدل من أن تقطع الرقاب من أجل أقوال ظنية ، حيث لا احتكار للفكر ولا رقابة عليه ، وليس من حق الدولة التدخل في حرية المفكر أو الرقابة عليه.
لا شك بأن الفكر الحُرّ بحاجة إلى حاضنة شعبية تتقبلهُ وتتعامل معه بأبجديات المنطق لا نظرية المؤامرة التي يسقطُ فيها الفكرّ ضحية الترهيب والخوف من التجديد ، خصوصاً في المجتمعات ذات الخصوصية الدينية ، فالاصطدام في هذه الحالة يكون أصعب منه في مجتمعات منفتحة على نفسها وتقبل الأفكار مهما كانت متعارضة مع العادات والثقافة أو حتى كانت تهدف إلى اقتلاع الممارسات والنظريات السائدة من جذورها ، لذلك قد يلجأ الحاكمون إلى تحريض الرأي العام تجاه المفكرين ، واستغلال الدين في صدّ أي حركة فكريّة تحاول تغيير الوضع القائم ، فيجد الفكرّ نفسهُ محاطاً بين قهر السلطة ولجمّ العامة له ، فإما أن يستقرَّ بين دفات الأوراق ، أو يؤسس لمرحلة جديدة تتفاعل فيها الأفكار مع الممارسة العملية من خلال التجديد والتجربة والتعاطي معها كحلّ يُمكن من خلاله تغيير الوضع القائم إلى وضع جديد يتماشى والفكرّ الذيّ أسسَّ لها.