تاريخ النشر: 2017-05-16 | 19:30
تاريخ النشر: 2017-05-16 | 19:30
يافا تركتْ أبي صغيراً
لبابِ الريحِ المشّرعِ
على شرفاتٍ يكدّسُها الضبابُ
ورملِ التيهِ وأنينٍ جرودٍ
قدماه من طينٍ ومخيمْ
وماءُ الغرباءِ جريحٌ
فوقَ المغيبِ بعدَ كلِ آذانٍ
يضجُ بالوعودِ
عائدٌ مفقودٌ يكنسُ السمعَ
وحيداً في مذياعِ الصباحِ
وأبي الصغيرُ كان فصيحاً
يصفقُ في الهواءِ لكرةٍ جديدةٍ
أمامَ الخيامِ المهزومةِ
حبالُها مشانقٌ للوطنِ السليبِ
أبوابُها للمنافي البعيدةِ
وراءَ كلِ دمعةِ لاجيءٍ حكايةٌ
تجلسُ في الصيفِ عاريةَ الكتفينِ
تحتَ القمرِ بينَ صخرتينِ
وممرٍ يحرسُهُ عسسٌ عابسٌ
يلمُ المسلاّتِ من أصواتٍ بائسةٍ
تركتْ كتانَها للغزاةِ وبئرٍ جائعةٍ
يافا لم تعدْ أمامهُ
دخلتْ عقلَهُ
تطحنُ في الذاكرةِ
لم تعدْ تلعبُ
كما كانتْ تعلبُ
على كفيهِ كبرتقالةٍ
لم توقظهُ صباحاً
لتحريرِ المياهِ في الساقيةِ
لاصطيادِ نظرةٍ بهيةٍ
من عينِ الصبيةِ
أو لقطفِ النجومِ عن سماءٍ
أتعبَها السمرُ
يافا تركضُ وحدَها
خلفَ التلالِ قربَ البحرِ
تشربُ عمرَها تنتظرُ
وأبي الصغيرُ كبرْ
صارَ فدائياً في منفى
بندقيتُهُ خاتمهُ وخاتمتَهُ
ورصاصُهُ للهويةِ
يعدو كحصانٍ من زمانٍ الى زمانِ
أصبعُه على الزنادِ
وعينُهُ من خلفِ العهودِ تشتهي
يافا الغارقةُ في دمعِهَا الرقيقِ
قوسُها خالٍ
وسهمُها أبيّ والطريقُ
لاجيءٌ يعيشُ
لاجيءٌ يموتُ
والسحابُ يحشو أوجاعَهُ
في وسادةِ الوجودِ
ليكونَ شاهداً
على نفسهِ المنهكةِ
وشهيداً في بلادِ
ما وراءَ الحدودِ
وأنا منهُ.. أواصلُ
سيرةَ الخيامِ والمنفى
وقصةَ اللجوءِ
ولو على شبرٍ من بيتهِ العتيقِ
ولكن يافا لازالتْ تنتظرُ
غريقاً شربتْهُ نهاراتُ الحنينِ
وحريقٌ بلا شررٍ طوَّافِ على حريقٍ
والوعدُ أن يرجعَ من الخيامِ
للسهلِ والوادي والنهرِ
للبستانِ والرصيفِ والبحرِ
للدروبِ والطيورِ والشجرِ
للحياةِ لكلّ الحياةِ في يافا
ودونَ يافا
العمرُ يبقى خارجَ العمرِ
ولو صارَ شهيداً
ابنَ شهيدٍ
وابنَ ابنَ شهيدِ
ولكنهُ يوماً حتماً سيعودْ