تاريخ النشر: 2025-11-30 | 11:59
تاريخ النشر: 2025-11-30 | 11:59
الساعة الان الواحدة قبل ولوج الصباح في خيام البؤس و الظلام...
وانا لازلت تحت وطأة الفقد المجنون اسير في الطرقات الفارغة وحولي بقايا خيام مبعثرة ورائحة بارود لم تخيب رصدها الهدف الملعون بشارة الطوفان ورماد استفحل واستوطن اركان المكان وكنت لازلت هناك ابحث عن فقيد الروح وفقيد القلب....
لقد فجعت بالخبر المشؤوم مثل الكثيرات التي تجهزن للفرح وتعاكست معه كل الاشياء وتشاركت الدمعات فيض نهر لا مفر له من السقوط حزينا ومنكسر ومنهزم وغريق...
اصبح الفرح مأتما ولج في كل صغيرة وكبيرة في حياتنا وتوشحت كل لحظاتنا سواد حتى السماء التي نعرفها لم تعد سماء بل ساترا عاريا لعورات المبتلين هموم واوجاع ...
كل شيء في حياتي توقف،
القلب لم يعد نابضا، الدمع ساكنا ، الصوت غادر دون اي انذار ، استنجد بطاقتي التي افرغها الحزن صباحا لكن دون جدوى لن يعود الصوت المصحوب بالفقدان الا حين يعود الفقيد ولو صورة معلقة على الجدران او فوق صدري الملتهب جروح وهلع ورعب وامتنان....
بطيء جدا الوقت الذي لا يمر من هنا وأنا اعاني فجوة الانتحار المميت في جزيرة الحزن المرعب قاربت انفاسي ودعواتي المتوسلة بالانتهاء لا تمر اللحظات بهدوء يزامن صعفها الصخب الموجع المصاحب للهذيان دقات قلبي تئن فراق ..
طفلي الذي لن اسامحه ان غادرني دون وداع لقد اكتويت بالخبر المشؤوم والملعون والمشوه لحقيقة البيت السعيد يبدو اننا لن نفقدفقط البيت والاهل والاحبة والعائلة بل ان هذا ااطوفان سيفقدنا الروح والشغف والحب والاهتمام والطموح والاحلام والاماني وكل شيء.
ها أنا ذا اسير دون هوادة باتجاه مستشفى شهداء الاقصى دير البلح مدينة اخرى غير التي اسكنها وانا في جنوب الارض بل اقصى جنوبهابين بر لا نهاية له وبحر هائج يملأ الارجاء رعبا وخواء تتنقل خطواتي دون اكتراث فوق الركام بين الخيام لعلي اهتدي لطريق يوصلني الى المستشفى لا اعلم عدد المرات التي سقطت بها خطواتي ولا اعرف كيف كنت اعود اعدو بهمة لا قوة فيها وعتمة حالكة تلتف حولي الليل الذي لم يستيقظ بعد، النهار المختبيء خلف الغيوم يشاركون الاماني سقوطها وخوفها الفقدان...
أمشي بغير هدى اتسلق الخطوات الهاربة من عمق الليل أستميل مع حافة مجرور قديم ومهتريء وصلت العطار تقريبا وواصلت بغير اكتراث ممن يشاهدون من خلف خيامهم تلك المجنونة الهاربة والهائمة بغير هدى لم يتجرأ ان يسألني احدهم الى اين تذهبين يا سيدة الحزن ؟؟؟
ربما وصلت شارع خمسة موقع القادسية سيرا على الاقدام الهائمة دون اعتبار للوجع ...
ابحث عن طريقة تليق بالوداع لرفيق الدرب المغادر دون استئذان ولروح سكنت جسدي واخرجها رحمي كثمرة اعتناق، طفلي الذي اغتالته الطائرة التي لم تعرف اي وجع تركته على بوابة بيتي المقصوف اكثر من مرة...
لقد دفنوا رفيق الفكر والدرب وشريك العمر دون نظرة وداع واحدة او كلمة اواسي بها نفسي التائهة بين انقاض الاوجاع وانا في طريقي لوداع اخر لم اتوقف لحظة غادرت نفسي مع مغادرة صوتي كلانا ذاهب بنفس الاتجاه الى حيث يكون الوداع الى حيث لا شيء سوى الوجع..
تسارعت خطواتي واسرعت اكثر واكثر حين لاحت امام ناظري مشارف مدينة دير البلح...ابو هولي شارع البركة دوار المدفع احدث نفسي بعد هرولة بسيطة استطيع ان اتنفس من الهواء الذي يملأ رئة طفلي ربما ألملم بقاياه، او اوقف النزيف الذي افقده الحياة وربما قد احيك كل جروحه بدموعي الحارقة ربما عناقي يعيد له الحياة وها انا قد وصلت وفعلت ذلك.
طفلي يعيش انفاسه الاولى بعد ان اعادوه للحياة...الوفد العراقي الذي حاول ان يبحث عن سبب الوفاة هو ذاته الذي يعيده الى مسراه حيا يتنفس، ساعات طويلة علمت بوقعها للوفد العراقي مشكورا واشهد انني لو افنيت عمري متوسلا بالعفو والامتنان لهم لن اوفيهم حقهم انهم يقطبون الامعاء ويستخرجون الشظايا ويوقفون النزيف ويخيطون الجروح، يستبدلون الامعاء الممزقة باخرى صناعية ، وحدات كثيرة من الدماء احتاجها طفلي في العمليات وانا لا شيء معي سوى الدعوات.
لقد صعدت دعواتي ودمعاتي المقهورة الى السماء مناجية عاليها برحمة الله التي وسعت كل شيء...
انها الرحمة التي شملتني بعطفها وسخائها، اتفقد جسده الممتلىء دماء لا صوت لي، لغة الاشارة لا اجيدها ولا حول لي في تعلمها، استخدمت جوالي للحديث مع الاطباء والعاملين والجرحى اكتب ثم اشير الى من حولي ليقرأ اسمع الاجابات واعيد اكتب ما اريد قوله لمن تواجد في المكان وهكذا تواصلت مر اسبوع واكثر ولم اتعلم بعد لغة الاشارة اوجدت لنفسي لغة غريبة ما بين الاشارة والكتابة والنظرات الاستنكارية كلما فشلت في ايصال الرسالة و كي استطيع التواصل مع من حولي عانيت كثيرا ...
عاد فقيدي للحياة وظل صوتي عالقا لا حياة فيه ولا حياة لي في طوفان ظالم وغارق وقاسي ومرعب