لم يعد الملف اللبناني شأناً منفصلاً عن المواجهة بين النظام الإيراني والولايات المتحدة، بل أصبح واحداً من أكثر الملفات حساسية في أي تفاهم محتمل. فطهران تنظر إلى لبنان، ولا سيما سلاح حزب الله، بوصفه جزءاً من منظومة نفوذها الإقليمي وأداة ضغط في الصراع، بينما تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل إلى فصل هذا الملف عن المساومات المباشرة مع النظام الإيراني وربطه بترتيبات أمنية داخلية لبنانية.
وتكشف الصحافة الحكومية الإيرانية أن تفاهم إسلام آباد شمل وقف الحرب في مختلف الجبهات، بما فيها لبنان، لكن استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في الجنوب وإعلان ترتيبات لإنشاء منطقة عازلة جعلا هذا البند موضع نزاع. كما تحدثت هذه الصحافة عن اتفاق ثلاثي بين الولايات المتحدة وإسرائيل ولبنان، ربط الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب بنزع سلاح حزب الله، معتبرة أن هذه الخطوة تمثل محاولة للالتفاف على التفاهم مع طهران وإخراج الورقة اللبنانية من يدها.
هذه المعطيات توضح أن لبنان لم يعد مجرد ساحة مواجهة جانبية، بل أصبح جزءاً من صراع أوسع حول من يملك قرار الحرب والسلم فيه. فالنظام الإيراني يريد أن يبقى أي بحث في مستقبل حزب الله مرتبطاً بمفاوضاته الإقليمية والدولية، لأنه يدرك أن خسارة هذه الورقة ستضعف قدرته على الضغط وتقلص مجال نفوذه في شرق المتوسط.
لكن التعامل مع لبنان كورقة تفاوضية يعني تجاهل سيادته ومصالح شعبه. فالدولة اللبنانية لا يمكن أن تستعيد استقرارها طالما بقي قرار الحرب خارج مؤسساتها الدستورية، وطالما استطاع طرف مسلح مرتبط بطهران أن يحدد توقيت المواجهة والتهدئة وفقاً لحسابات النظام الإيراني. ولذلك فإن أي اتفاق لا يعالج هذه المشكلة جذرياً قد يوقف القتال مؤقتاً، لكنه لن يمنع تجدد الأزمة.
ومن جهة أخرى، لا ينبغي أن يتحول مطلب حصر السلاح بيد الدولة إلى ذريعة لفرض حرب جديدة على لبنان. فالشعب اللبناني دفع أثماناً باهظة نتيجة الصراعات الإقليمية والانهيار الاقتصادي والشلل السياسي، ويحتاج إلى مسار يحفظ سيادة الدولة ويمنع في الوقت نفسه تحويل أراضيه إلى ساحة لتصفية الحسابات الدولية.
المشكلة الحقيقية أن النظام الإيراني لا ينظر إلى حزب الله باعتباره حزباً لبنانياً مستقلاً، بل جزءاً من بنيته الأمنية والإقليمية. وتشير الوثائق المتعلقة بتدخلات الحرس إلى أن تأسيس الحزب وتسليحه وتمويله وارتباطه العقائدي بولاية الفقيه تشكلت منذ البداية تحت إشراف مؤسسات النظام الإيراني، ولا سيما الحرس وقوة القدس.
ولهذا فإن الخلاف حول لبنان ليس تقنياً، بل يتعلق بمستقبل مشروع طهران الإقليمي. فإذا قبل النظام بخروج لبنان من منظومة نفوذه، فإنه يخسر واحدة من أهم أدواته. وإذا أصر على إبقاء السلاح خارج الدولة، فإنه يدفع لبنان نحو المزيد من المواجهات والعزلة والدمار.
وخلال زيارتها الأخيرة إلى إيطاليا، أكدت مريم رجوي أن السلام الدائم في المنطقة لا يتحقق عبر مساومات تعيد إنتاج نفوذ النظام الإيراني، بل عبر إنهاء سياسة تصدير الحروب واحترام سيادة الدول، بالتوازي مع دعم نضال الشعب الإيراني من أجل جمهورية ديمقراطية. فالحل لا يكمن في استبدال حرب بهدنة مؤقتة، بل في إنهاء المصدر السياسي الذي يستخدم لبنان وغيره ساحات لحماية بقائه.
إن أي اتفاق حقيقي يجب أن يعيد القرار اللبناني إلى الدولة والشعب، لا إلى طهران ولا إلى أي قوة خارجية أخرى. فلبنان ليس ورقة تفاوض، وشعبه ليس وقوداً لصراع النظام الإيراني مع خصومه.