تاريخ النشر: 2020-08-20 | 08:35
تاريخ النشر: 2020-08-20 | 08:35
الحقيقة أن ما حصل في بيروت كارثة، لكن من المسؤول عن هكذا حادث، أو كما سموه الانفجار؟ ما حدث لا يمكن السكوت عليه، ولا على تداعياته، لكن الغريب أن تستثمر بعض الأطراف هذه المأساة لحساباتها الشخصية والفئوية الضيقة. ومع أن الأمر يستوجب الخروج من الأزمة قبل البحث عن المتسبّب، فإن التصرّف على شكل إصدار أحكام وإلقاء اللوم على أطراف أخرى يعكس انهيار الحالة السياسية واهترائها، وتعمق الانقسام في الرؤى، كما تفقد الثقة لدى اللبنانيين أنفسهم.
وهذا ما يؤكد لنا أن الامر لا يتعلق بإصلاح حكومي أو بمحاربة الفاسدين، بل هي مسألة ترتكز على طبيعة نظام طائفي. ففي حين أن الإصلاح كان مطلوباً دائماً، إلا أنه غير كافٍ، بل ما كان يريده اللبنانيون دائماً هو تغيير النظام الطائفي من أساسه. فالأمر بالنسبة لهم لا يتعلق بأفراد وشخصيات وحكومات يمكن إزاحتها واستبدالها، بل في جوهر النظام السياسي الذي يتوجب تغييره وليس مجرد تعديله أو تنقيحه هنا أو هناك؛ هذا هو الحل الذي كان دائماً ما يوضع جانباً لصالح استمرار سطوة النظام الطائفي والمناطقي.
من الواضح أن الخلاف يتمحور حول عدم ثقة الشعب اللبناني بالحكومة ومن يتبعها وتبلور هذا الأمر عبر عدة عقود مضت. فقد أصبح النظام السياسي هو المعضلة، والوحدة هو الحل الأمثل، إلا أن الأمر أصبح ليس بهذه البساطة والسلاسة التي نعتقدها، وهذا ما استدعى أن يخرج المواطنون اللبنانيون عن النص. وفي الحين الذي طالب عدد منهم عودة الانتداب الفرنسي على لبنان من خلال جمع توقيعات وتقديمها للرئيس الفرنسي، كانت هناك جهود تطوعية بادرت لتنظيف الشوارع، وإعادة ترميم الخراب الذي أحدثه الانفجار في المنازل والحي بأكمله؛ المشهد الذي ما أظهر إلا شكل اللبنانيين الحقيقي وجوهره الذي لا يريد إلا نهضة لبنان.
ما فعلته الكارثة أنها أثبتت أن كل ما يمكن أن تفعله لبنان هو الانحياز التام والصريح لدولتهم اللبنانية للبقاء على الحياة، وأيضاً الحاجة الملحة لصياغة نظام جديد بعيدة كلّ البعد عن التعصب الحزبي والطائفي، الذي يتحكم بأغلبية اللبنانيين على حساب مصلحة الوطن.
مصلحة لبنان والانحياز له هو وحده البديل عن الخراب والحروب التي يتعرض له بين الحين والأخر، خاصة إذا ما تذكرنا الحرب الاهلية وما جرى فيها من احداث مازالت اثارها باقية، لعلّ الكارثة تكون مدخلاً إلى النظام الجديد خاصة بعد استقالة حكومة حسّان دياب التي يتهمها المجتمع الدولي بأنها حكومة حزب الله.
وهذا ما أكده البطريرك الماروني بشارة الراعي حين أكد أن الانحياز لدولتهم اللبنانية بدل انحيازهم الطائفي هي المحاولة الأخيرة ليتصالح اللبنانيون ويصلحوا ما أفسدته السياسة.
اليوم لبنان على محك خطير فإما أن يكون أو لا يكون. وما طرحه البطريرك ودعوته الى الحياد عن الصراعات الإقليمية والخارجية هو الفرصة الأخيرة لإنقاذ لبنان. لبنان، البلد التي انهارت فيها كل الأنظمة التعليمية والصحية، والقطاع السياحي، والمصرفي، فما بقي أمامه إلا اصلاح ذات البين، وإعادة الثقة في نفوس اللبنانيين. وهذا جداً معقول كما أنه ممكن فقط من خلال حكومة مستقلة قادرة على إرساء الإصلاحات التي يشترطها المجتمع الدولي لمساعدة لبنان على إخراجه من براثن الأزمة الاقتصادية والمالية.
بيروت التي تئن، بيروت التي أعلنت الحزن وتعاقدت مع الدم والموت، بيروت المدينة التي تدفع ثمن هذا التاريخ، وقد فاض حزنها عدد السنين، بيروت التي لن يتوقف العدو عن ايلامها، بيروت وجه الملاك، وجهة المثقفين والعلماء والعاشقين، لتقاوم انهيار الفقر والفوضى والعوز، بيروت التي تقاوم الموت وروحها تطلب الحياة، لها رائحة المجد، وهي زينة العواصم، بيروت شقيقة فلسطين في هواها، واناقتها، وروحها، ونضالها، وجرحها، وعدد الضربات التي تلقتها من خيبات ونكبات، لكنها حافظت على أن تبقى نجمة تضيء عتمتنا جميعاً، فكتبت صمودها دون أن يسمع من أراد بها شرا أنينها.
بيروت لن تنكسر ولن تعلن استسلامها بل سترفع رايات النصر من وسط الركام والأنقاض فهي التي لا تملك ترف الموت وسط صوت الألم، فسلام على بيروت يوم ولدت ويوم تألمت ويوم عادت لتنتصر.