تاريخ النشر: 2022-08-04 | 16:22
تاريخ النشر: 2022-08-04 | 16:22
لم يترك التراجع الكبير بمستوى إدارة الشأن العام الفلسطيني أثره على الشعب الفلسطيني وحده، بل فتح المجال أمام حرب على القضية برمتها ومدى جدارتها واستحقاقها بالبقاء كأولوية عربية، مما عزز من القدرة على اختراق المحرمات السياسية التي كانت المحرك الأساسي في رسم السياسات الخارجية للعديد من العواصم العربية والإسلامية، هذا الاختراق أعاد توجيه البوصلة بشكل مغاير لطعن علاقات أخوية وروابط الاجتماعية وترابط جغرافي وبات لفظ التطبيع من أكثر المصطلحات السياسية قتامة وفاضحا لحالة التردي التي نحاول إخفاءها،،
هذا التعبير استقبله الفلسطيني بحساسية مفرطة وحماس كبير، فلقد شعر بخيانة كبيرة وان التطبيع يعني أننا بقايا في الميدان وحدنا أدي ذلك لخروجه عن طوعه وفتح اشتباك كلامي زاد من حالة الاحتقان دفعت الشعوب الرافضة إلى العودة إلى مساندة حكوماتها لأن الهجمات طالتهم هم كذلك،،
هذا العبث الكلامي شكل وجبة شهية أمام معتنقي الفكر الهابط في تماهي كبير معه بهدف عدم تشويش الطمأنينة الزائفة داخل جدران الحياة الفلسطينية، إلا أن تسارع الأحدث بعد حرب روسيا وأوكرانيا قد كشف إلى حد بعيد أن تلك الدولة لديها سياسات واضحة موظفة لخدمة شعوبها، وأنها رفضت الرضوخ لرئيس أمريكا كما كنا نتصور بل استقبلته بفتور وعاملته كما لو كان زائرا عاديا، وتجاهلت طلباته في زيادة إنتاج النفط، بل وتحاول فتح أسواق جديدة لتصدير نفطها بعملة غير الدولار هذه المواقف كنا نجهل حركتها واتجاهاتها ونعتمد علي روايتنا الفلسطينية التي كانت ترغب في إبقائنا في حالة تحفز دائم،
العالم لا يعيش على فطرته الساذجة، بل يتحرك وفق مصالح مشروعة وان الاعتقاد أن العجز في أسواق العمل يسدها عامل فلسطيني ماهر قد بات خلف ظهورنا الآن، فلقد شرعت معظم الدول على الاستثمار في ابناءها وارسلتهم في بعثات تعليمية في أرقي وأقوى الجامعات، هذه الإشارات التي اثرت على مجريات حركة التاريخ تجاهلها الفلسطيني ولم يفهمها ي كعادته بل عمد على التشكيك وراهن على فشل هذه التجربة وان الاستغناء عن الفلسطيني امر في حكم المستحيل،
هذا التغابي أفقدنا كفلسطينيين أقوى سلاح، فلم يعد المدرس منا، ولا الطبيب، بل فتح الباب لاستقدام الكفاءات من شتي الدول، بعد ان حرصت الدول على عدم تشكيل كتلة بشرية من صنف واحد يكون شوكة في خاصرتها إذا ما استجد جديد، الا اننا نعيد اجترار طرقنا في المعاملة، ولك ان تكتشف كيف تعاملنا مع اعلان الكويت الرغبة في التعاقد مع مدرسين فلسطينيين، سخافة وتسخيف وكأن إعادة بناء قوتنا الناعمة التي فقدناها في الكويت امر لا يستحق ان نتعب لأجله،
قطار التطبيع متوقف لان الظرف الدولي به من المشاحنات ما يكفيه، الا ان نظرتنا الى قضيتنا لا تراوح مكانها وتتعامل معها على انها جثة متحللة لا يفيدها اى تحركا، فلا سعينا الى معالجة الازمة الداخلية ولا أعدنا بناء مؤسساتنا وبدا الامر وكأننا نجاكر الجميع باستنساخ اسوء نسخة من الفلسطيني وتصديرها الى الخارج،
قد يندفع البعض الى قراءة النص وفق مزاجية مفرطة او استحضار خيال مريض، ويتهم كاتبه بانه يجيد فن المراوغة ويبرر خطايا مفجعة نتجت من جراء التطبيع، الا ان الامر عكس ذلك تماما فأنا اري ان الدول المطبعة قد خانت ضميرها وقوميتها، وتجاهلت نصائح التاريخ ولم تستخلص منه عبرة وتعرف منهجية التفكير الصهيونية والمنية على الخيانة وان الضحكات والوفود النسائية والتنكر لمن يساندها أمر تحكمه السياسة، ولعل العبرة ماثلة أمامنا، فإن إسرائيل ما كان لها أن تقوم لولا ستالين زعيم السوفييت ومع ذلك أدارت ظهرها لروسيا بخيانة واضحة وألقت بنفسها في أحضان الغرب وساندت أوكرانيا، لذا فأننا نذكر البعض المتبع خوفا من سقوطهم أكثر من خيانتنا،،،
كل هذه المعطيات لا يمكنها أن تحدث شرخا في التوجهات إلا إذا توفرت إرادة فلسطينية معنية بحل الأزمة والتقارب مع العرب بعيدا عن الإسفاف، وتعمل ما بوسعها لبناء نموذج حضاري يقنع العالم، من خلال إرساء نظام حكم لا يقبل التلاعب، برلمان نتاج بفعل انتخابات حرة وقضاء على رأسه من يعرف قيمة القسم ما دون ذلك سوف يبقوننا في العراء ولن يسألوا فينا ولن يتعاطوا مع محنتنا وتحبنا ، وأكثر ما يمكن أن يفعلوه، هو بقاء الحال ممتدا كما كان معمولا به سابقا لتشابه الظروف "أعطونا فلوس بنسكت "، فلا عجب ولا استهجان أن بقينا في القاع مع وطن مطروح للمقايضة.