تاريخ النشر: 2017-05-07 | 09:56
تاريخ النشر: 2017-05-07 | 09:56
أبدأ من حيث انتهت اللقاءات علي هامش الزيارة التي قام بها الرئيس الفلسطيني "محمود عباس" الي العاصمة الأمريكية نهاية الأسبوع المنصرم ولقاءه نظيره "دونالد ترامب" الذي أحيط بهالة ضبابية تنعدم معها رؤية النهج العام لسياسات الرجل الذي لطالما رسمت له وسائل الاعلام العالمية صورة أقرب للواقع عكست طبيعته الهجومية علي خصومه وتلويحه المستمر بسياسة مغايرة عمن سبقوه في ادارة دفة الحكم في أمريكا وفيما يخص القضية الفلسطينية وموقفه من الصراع العربي الاسرائيلي لم تخفه تصريحاته المتطرفة والعنصرية المساندة علانية وبقوة لدولة الاحتلال التي باتت تشعر بالارتياح في حينه وعلي وجه الخصوص اظهاره لموقف يعتبر اكثر حساسية والأمر يتعلق بأولي خطواته بعد الفوز بالشروع المباشر لنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب الي القدس المحتلة وهذا ما لم يتم بعد تنصيبه رئيساً للإدارة الامريكية الجمهورية وتأجيله ذلك الي أجل غير مسمي ما أصاب الإسرائيليين بالإحباط والانتكاسة لعدم ايفاء رئيس البيت الأبيض بالتزامه الأبرز تجاه نقل السفارة الذي تعتبره دولة الاحتلال العنصرية بمثابة دعم سياسي غير مسبوق أخفقت الادارات الأمريكية في تحقيقه..!! الأمر ذاته أقدم علية "ترامب" ولم يحقق للدولة المارقة مطلباً تواظب علية منذ عقود, وعلي الدوام تتطرق الية كل ادارة امريكية جديدة.! تظهر دعمها ومساندتها كسياسة أمريكية, ورغم الحاح دولة الاحتلال الا قرار التجميد بات حيز التنفيذ..! ويأتي التأجيل رغم المساعي الاحتلالية المتواصلة علي كافة المستويات سواء بالاتصال المباشر مع الادارة الجديدة او باستغلال نفوذها من قبل المؤيدين لتوجهاتها في مجلسي الشيوخ والنواب الأمريكي والاستعانة بنفوذها واستغلال تأييد اللوبي الصهيوني والجماعات اليهودية الأمريكية الداعمة للاحتلال..!! استوعبت الدرس تماماً ليكشف في السياق الطريقة والنهج الجديد للإدارة الأمريكية والنظر بعمق الي طبيعة علاقاتها مع حلفاءها في المنطقة وما سينتج عن تحقيق مطلب دولة الاحتلال المُلح بنقل سفارة أمريكا للقدس المحتلة وما يشكله فيما لو تم من تداعيات مختلفة علي السياسة الأمريكية الخارجية وعلي طبيعة الصراع القائم في المنطقة والدخول في أزمة مع اطراف دولية واقليمية ومؤسساتها مع التغير الدراماتيكي في موقفها من ملف القضية الفلسطينية الذي تؤكد مواقفها وقرارتها علي أن القدس جزء لا يتجزأ من الأراضي المحتلة عام 1967م وتنطبق عليها القرارات الدولية الصادرة خلال 5 عقود من احتلالها جميعها وأبرزها القرارين 242 و338 وما تبعهما وليس انتهاءً بالاعتراف الدولي بفلسطين دولة بصفة عضو مراقب في الأمم المتحدة خلال جلستها يوم 29/11/2012م وما أقرته الأمم المتحدة ومؤسساتها الحيوية بحق الأرض الفلسطينية والمدينة المقدسة كان اخرها قرار اليونيسكو وتصويت 22 من اعضائها وهو القرار الذي انتصر للحقوق الفلسطينية في القدس المحتلة والتأكيد علي أن القدس مدينة خاضعة للاحتلال الصهيوني ولا رابط تاريخي بينها وبين اليهود كما تُسوق الرواية اليهودية المتطرفة..! القرار الذي علي ضوئه مُنيت دولة الاحتلال بفشل ذريع واخفاق جديد لم يسعفها حلفائها التقليدين من مواجهة القرار الجديد الذي جاء ضد ممارساتها ومخططاتها وعكس رغباتها رغم ما مارسته من ضغط كبير علي المصوتين المفترضين علي مشروع القرار الذي جاء داعماً وبقوة للحق الفلسطيني بالقدس وشكل صفعة جديدة لسياساتها وعنجهيتها وعنصريتها واعاد الأمور الي نصابها لم يكن ذلك ممكناً لو الدبلوماسية والجهد المبذول للقيادة الفلسطينية ويحسب لها بكل تأكيد ولنضال شعبنا المتواصل علي كافة المستويات والاتجاهات سواء علي الأرض والاشتباك في الميدان او العراك السياسي في المحافل الدولية وما تم انجازه من قرارات دولية لصالح القضية الوطنية.
جاء الزيارة في توقيت دقيق يتزامن مع اضراب الاسري الفلسطينيين في السجون الاحتلالية عن الطعام من اجل تحقيق مطالب وحقوق مشروعة كفلتها القوانين والاعراف الدولية واقرتها المؤسسات الدولية التابعة للأمم المتحدة والمهتمة بحقوق الانسان, وفي ظل الهجمة الاحتلالية الشرسة تترجمه الممارسات العنصرية يومياً بحق الأرض والشعب الفلسطيني ونجاح السياسة الفلسطينية التي يقودها الرئيس الفلسطيني في وضع ملف القضية الفلسطينية علي طاولة الادارة الأمريكية وبقوة استطاع ان ينقل معاناة الشعب الفلسطيني والتأكيد علي الثوابت والحقوق الوطنية الراسخة والغير قابلة للتصرف او الانتقاص كضمانة فعلية لاستقرار المنطقة وعدم الانزلاق الي نهاية حتمية عنوانها المواجهة المفتوحة مع دولة الاحتلال المتعنتة والمتنكرة لحق الفلسطينيين بالاستقلال والحرية والدولة علي حدود الرابع من حزيران 67 والتأكيد علي ارساء سلام عادل منسجماً مع المبادرة العربية التي اقرتها قمة بيروت من العام 2002م وتقدمت بها السعودية في حينه ونالت اجماعاً عربياً لإنهاء ملف الصراع العربي الاسرائيلي بما تتضمنه بحصول الفلسطينيين علي دولة كاملة السيادة عاصمتها القدس تقوم علي جزء من التراب الوطني التاريخي والاتفاق علي تطبيع كامل مع الدول العربية يفضي الي علاقات دبلوماسية الأمر الذي تنكرت له دولة الاحتلال ولم تعره اهتماماً وواصلت مخططاتها التهويدية والاستيطانية وتغير الواقع الديمغرافي والجغرافي للضفة المحتلة بما فيها القدس التي ينالها الضرر الأكبر والأشمل والأعم وليس بعيدا عن اجراءات الاحتلال بحق غزة وحصارها الجائر والعنصري منذ 10سنوات تغافلت عنه الادارات الامريكية السابقة بمجملها وابقت علي الصراع مفتوحاً وقائماً دون تقديم حلول جدية يمكنها ان تفضي لطي صفحته والي الأبد بتبني رؤية متوازنة للصراع والزام دولة الاحتلال واجبارها علي انهاء احتلالها للأراضي المحتلة عام 1967م دون ان يحدث ذلك بل دأبت علي معارضة أي قرار أممي والتصدي له بالفيتو وبمبدأ القوة والضغط علي الدول ومنعها من التصويت لصالح اي قرار يتعلق بالفلسطينيين مقابل ودعم اقتصادي وامتيازات أخري..!!
الادارة الأمريكية الحالية برئاسة " ترامب " يجب ان تقف عند مسؤولياتها من ملف الصراع العربي الاسرائيلي والعمل علي انهاءه ليأتي ذلك منسجماً مع الرغبة الجادة والمرونة التي أبداها خلال لقاءه الرئيس الفلسطيني وهو يعلم ان بقاء الاحتلال وتغير الوقائع علي الأرض وتهويد ومصادرة حقوق الفلسطينيين لن يخدم مصالح بلاده ولا استقرار المنطقة وهناك في اطار متوازي أوربا التي تبنت مواقف تقدمت كثيرا علي الموقف الأمريكي المتساوق مع دولة الاحتلال وعلي الدوام يشكل لها دعماً لا محدود تعتمد علية ما يجعلها تتملص من اي استحقاقات لإرساء سلام كان اخرها مؤتمر باريس الدولي الذي عقد بداية العام الحالي ولم يأت بجديد وتم اجهاض محاولات باريس لإحياء عملية سلام تفضي لحل لملف الصراع ورغم فشله في تحقيق ذلك الا ان الاتحاد الأوربي تؤيد اكثرية الدول المنطوية تحت لواءه الحق الفلسطيني الثابت والراسخ بالدولة وهناك ظهرت حملة مقاطعة سياسية واقتصادية وبرلمانية; منذ عقد من الزمن مركزها أوربا اصبح لها فعل مؤثر وصدي يتنامى ويتزايد بشكل مضطرد سبب ازعاجاً لدولة الاحتلال لم يُعهد من قبل وليس بعيداً عن الموقف الرسمي الروسي ودول عديدة تدور في فلكه تبدي تأييدها ودعمها للحقوق الوطنية الفلسطينية وقد يسمح استعادة الروس لنفوذهم وقوتهم كقوة موازية لأمريكا ولها علاقاتها ومصالحها ورؤيتها من ملف الصراع من التسريع لإيجاد وتحقيق الحل الضائع منذ عقود فيما لو قرأت الادارة الامريكية خارطة العالم الجديد وبروز احلاف وقوة وتأييد واسع للحق الفلسطيني واتساع رقعة التأييد له والتنديد بدولة الاحتلال ورفض سياساته واجراءاته وهذا ما نجحت به القيادة الفلسطينية التي تبذل جهوداً مضنية بالتراكم اتت أوكلها وحقق نتائج ايجابية ومهمة اعادت تثبيت الحقوق الوطنية وانتزاع الاعتراف تلو الاخر بها ..
تبقي نتائج الزيارة الي واشنطن مرهونة بمدي تعاطي الادارة الامريكية بجدية مع الصراع العربي الاسرائيلي ورؤيتها وقرأتها للواقع بإمعان شديد.! , ويمكنها الضغط علي دولة الاحتلال من اجل دفع عملية تسوية سلمية تنهي 5 عقود من الاحتلال والمعاناة والمأساة مع اننا كفلسطينيين لا نعول كثيرا علي اي موقف امريكي وان كانت الزيارة ناجحة واكتسبت أهمية لدي الفلسطينيين وغيرهم حيث يحذوهم الأمل بتغير الادارة الامريكية من مواقفها التقليدية الداعمة لدول الاحتلال والتحول الفعلي باتجاه حل القضية الفلسطينية كونها القوة الوحيدة التي بإمكانها ارغام دولة الاحتلال الصهيوني علي الانسحاب الي حدود الرابع من حزيران 67م فهل سيتحقق ذلك..؟ وهل الادارة الامريكية جادة بتسوية الصراع العربي الاسرائيلي وارساء سلام في المنطقة أم انها ستفرغ الزيارة من مضمونها وتجهضها; ونتهج ذات النهج الذي اتبعته الادارة الامريكية المتعاقبة علي ملف الصراع وذهبت وأبقت عليه لغيرها..!! المستقبل القريب والخطوات العملية هي من ستجيب علي توجهات ادارة " ترامب " ورؤيتها من ملف الصراع ..!!
ويبقي الأهم ان الحالة الفلسطينية الداخلية تحتاج إلى تحقيق الوحدة الوطنية واقعاً , وترتيب البيت الداخلي وتبني موقف وطني موحد عنوانه العريض انهاء الاحتلال ونيل الاستقلال الوطني ودعم توجهات القيادة الفلسطينية في معركتها المفتوحة مع دولة الاحتلال ومنحها الدعم والاسناد من اجل تجاوز كل العقبات القائمة و المحتملة وهذا يدعوا الكل الفلسطيني بكل مكوناته وانتماءاته الي تجاوز المواقف الحزبية الضيقة وتحقيق موقف وطني موحد ومسؤول يُزيل اسباب التباين و الاختلاف من اجل الهم والمصير الواحد والتفرغ لمواجهة المستقبل الذى حتماً سيحمل بين صفحاته مزيداً من التعنت الاحتلالي ولن يكن الامر سهلاً يسيراً..! ومنطقياً يمكن لوحدة الفلسطينيين واجماعهم علي موقف واحد ان يقصر المسافات ويدعم تحقيق تسوية سلمية وانهاء الاحتلال خاصة بعدما اعلنت حركة حماس وثيقتها السياسية المعدلة وما طرحته من رؤية للصراع وقبولها بمبدأ دولة فلسطينية علي حدود 1967م جَسرت الهوة وقلصت المسافات وباتت تتوافق مع رؤية حركة فتح ونضالها المتواصل, أوجد هذا الواقع الجديد توافقاً فلسطينياً بين كبري الحركات الوطنية وتأثير ذلك الايجابي علي امكانية تحقيق سلام في المنطقة ..
3/5/2017م يوم تاريخي شهد على نجاح آخر للدبلوماسية الفلسطينية وللقيادة الحكيمة للرئيس "محمود عباس" رغم حالة التشكيك وتثبيط المعنويات التي سبقت لقاء القمة في العاصمة الامريكية دأب عليها خصومه السياسيين ممن يمتهنون القذف والردح والتشويه خلال تصريحاتهم وتحليلاتهم.! لاحقاً تبددت ظنونهم مع الحفاوة التي اسُتقبل بها الرئيس الفلسطيني خلال زيارته ولقاءه رئيس البيت الابيض نقل خلالها معاناة الفلسطينيين واصرارهم لنيل حريتهم وانهاء اخر قوة احتلال قائمة عن ارضهم.. لن يتغير واقعنا ولا يمكن للفلسطينيين أن يحدثوا اختراقاً ملموساً في جدار الصمت الدولي والتسويف والمماطلة والتعنت الاسرائيلي الذي يتنكر لحقوقهم المشروعة بالتحرر الوطني ودحر الاحتلال الا من خلال انجاز واتمام وحدة وطنية حقيقية راسخة أولوياتها الهم الوطني وترتيب البيت الداخلي تنهى عقد من الانقسام وتداعياته التي تشكل عائقاً لا يمكن تغافله تجاه انتزاع الحقوق الوطنية الفلسطينية ,ومنح دولة الاحتلال فرصة سانحة للالتفاف علي أي انجازات وطنية وتفريغها من مضمونها واجهاضها..! مستفيداً من حالة الشرذمة والانقسام البغيض علي الفلسطينيين تصويب احوالهم و توحيد طاقاتهم ومواقفهم ودعم انفسهم بأنفسهم لاستكمال مسيرة النضال الوطني التحرري وانتزاع الحقوق الوطنية بالدولة و الاستقلال لن يكن ذلك ممكناً ان بقيت الحالة الوطنية الداخلية منقسمة علي نفسها ويتملكها الضعف..!!