تاريخ النشر: 2024-07-24 | 21:12
تاريخ النشر: 2024-07-24 | 21:12
في الوقت الذي ينشغل فيه الشارع الفلسطيني بشلالات الدم المستمرة في قطاع غزة منذ عشرة أشهر، اتفق 14 فصيلا فلسطينيا على وثيقة جديدة للمصالحة "العرجاء" مكتوبة بكلمات منمقة وبنود مختصرة ونص متين لغويا، في أقصى شرق آسيا، بالعاصمة الصينية، حيث اتفقت الفصائل على 8 نقاط، لكنه لم يتم الإشارة إلى أي جدول زمني للتنفيذ، بينما صدم الشارع الفلسطيني من صور القيادات الفلسطينية المشاركة بالحوار، حيث البدلة الرسمية وربطة العنق، وربما العطر الفرنسي الفاخر، كان المسيطر على المظهر العام للصورة الختامية، فيما يموت شعبهم جوعا وعطشا شمال غزة.
إن تصريحات القادة المتواصلة حول طمأنة الجمهور بصدق المصالحة هذه المرة وأن النوايا حقيقية لإنهاء الانقسام، لم تشفع كثير لهم أمام الشعب الذي ينزف دما في كل دقيقة، بينما من لم يمت من القنابل والصواريخ الإسرائيلية، فهو يبحث عن كسرة خبز أو شربة ماء ليسكت جوع أبنائه، فلقد ملّ الشعب من عدم التزام الفصائل بأي اتفاق للمصالحة قبل ذلك، منذ اتفاق مكة المكرمة مرورا بروسيا والقاهرة واليمن وقطر، وليس انتهاء بالصين، لقد ملّ الشعب من الشعارات الرنانة وذات التصريحات الكاذبة.
ودائما ما يخرج علينا المحللين السياسيين بتصريح حفظناه كثيرا في كل جولة مصالحة بين فتح وحماس وهو "العُقد تكمن في التفاصيل" أو "الشيطان في التفاصيل" بأسلوب آخر، ولكن اكتشف شعبنا فيما بعد أن القيادات هم أنفسهم الشياطين والعقد وليس التفاصيل، فلقد استطاع رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو تشكيل حكومة وحدة إسرائيلية وشن حربا على غزة هو الأشرس والأكثر فتكا منذ الحروب العالمية الماضية، واستطاع تفكيك حكومة الوحدة وشكل كابينيت حرب وفكك كابينيت الحرب وشكل كتلة يمين، ولكن قادتنا الى الآن يفكرون كيفية الاتفاق على تشكيل حكومة فلسطينية لن تستطيع الحكم على شيء بالأرض فعليا لا بالضفة الغربية ولا قطاع غزة.
لقد انتخبت شعوب العالم أجمع أربع مرات، وتغير رؤساء دول أوروبا وأمريكا كذلك أربع مرات، ومرت على غزة 5 حروب ودمرت محافظات كاملة بالقطاع، وعادت غزة الى الخلف 100 عام، وتوسع الاستيطان آلاف المرات بالضفة، وسلبت القدس رسميا وأصبحت عاصمة إسرائيل، ولازال قادة الفصائل الفلسطينية، وخصوصا حماس وفتح تفكّر كيف تنفذ اتفاق مصالحة وينهوا الانقسام.
والعجيب هو أنه من أبرز بنود الاتفاق الوصول إلى وحدة وطنية فلسطينية شاملة تضم القوى والفصائل "كافة في إطار منظمة التحرير" والالتزام بقيام الدولة المستقلة وعاصمتها القدس "طبقا لقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة" وحق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال وإنهائه "وفق القوانين الدولية وميثاق الأمم المتحدة"، وأن يتم تشكيل "حكومة وفاق وطني مؤقتة بتوافق الفصائل وبقرار من الرئيس، وهي بنود يمكن تنفيذها فورا لكن ما لا يمكن تنفيذه هي وحدة الأراضي الفلسطينية ووقف الحرب على غزة وإعادة الاعمار.
لكن ما يثير الريبة في البيان الختامي للفصائل، هو صياغته لقضايا فضفاضة، حيث "لم يورد شيئا من حيث البعد الزماني والأدوات وآليات التنفيذ، وتُرك الأمر لجولات تفاوضية قد تمتد لسنوات، وقد يتم عرقلة التنفيذ بمجرد الدخول في التفاصيل وهو ما تتقنه الفصائل.
إن البيان الختامي يتضمن الكثير من القضايا التي بحاجة لتوضيح وتفصيل وهي "أسس العلاقة الفلسطينية الداخلية وكيفية تعزيزها وإنهاء حالة الانقسام المستمر منذ 17 عاما، ومعالجة الانفصال الجغرافي والديمغرافي، فضلا عن ممارسات السلطة في الضفة والحرب على غزة، وكيفية توحيد المؤسسات وآلية وكيفية وأسس تشكيلها، وإدارة قطاع غزة، وكيفية انتقال السلطة ومدى وكيفية وشكل المشاركة فيها، فيما لم يأخذ البيان بعين الاعتبار تأثير العوامل الخارجية في ملف المصالحة، لأن الانقسام هدف غُذي وعُزز بأدوات ومنهجيات يعرفها الجميع: فكيف سيتم تجاوز هذه التأثيرات؟
إن الشارع الفلسطيني لم يكن متابعا أو مهتما كثيرا باللقاء، لأن ما يهمه شلالات الدماء التي تتواصل في غزة، كما أن اعلان الصين لم يضف جديدا للبيانات السابقة، والعبرة في التطبيق، وإن الصورة الختامية للقاء الصين التي حرصت القيادات الفلسطينية على أن تظهر في أحسن مظهر لها بالبدلات الرسمية لا تبشر بخير بصراحة..نقطة وسطر جديد.