لم تعد الجامعات الإيرانية مجرد مؤسسات تعليمية، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أكثر الساحات التي تعكس عمق الأزمة بين المجتمع والنظام. فكلما اتسعت الهوة الاقتصادية والسياسية، ازداد حضور الشباب في واجهة المطالبة بالتغيير، وأصبحت الجامعات هدفاً دائماً للإجراءات الأمنية والرقابية. وتكشف الصحف الإيرانية أن ملف الجامعات ما زال يحظى باهتمام واسع داخل دوائر السلطة، ليس بسبب التعليم، وإنما بسبب الخوف من تحول الحرم الجامعي إلى نقطة انطلاق لموجات احتجاج جديدة.
ولا يقتصر الأمر على القيود المفروضة على النشاط الطلابي، بل يمتد إلى الرقابة الفكرية، والتضييق على الأساتذة، والفصل والإيقاف، وتشديد الإجراءات الأمنية داخل الجامعات. وهذا يعكس قناعة راسخة لدى مؤسسات الحكم بأن الجيل الجديد لم يعد يتبنى الرواية الرسمية، وأن الجامعات أصبحت من أبرز البيئات التي تتشكل فيها المطالب السياسية والاجتماعية.
وتزداد هذه المخاوف مع التدهور الاقتصادي الذي يواجهه الشباب الإيراني. فالحصول على شهادة جامعية لم يعد يضمن فرصة عمل أو حياة كريمة، بينما ترتفع معدلات البطالة بين الخريجين وتتراجع القدرة الشرائية بصورة غير مسبوقة. وهكذا يجد آلاف الشباب أنفسهم أمام مستقبل غامض، الأمر الذي يزيد من حالة الاحتقان داخل الجامعات وخارجها.
وفي الوقت الذي يطالب فيه الطلبة ببيئة أكاديمية حرة وفرص عمل حقيقية، تنفق السلطة جزءاً كبيراً من مواردها على الملفات الأمنية والعسكرية. وهنا يبرز التناقض الذي أصبح واضحاً بالنسبة إلى قطاع واسع من الإيرانيين: فبدلاً من الاستثمار في التعليم والبحث العلمي، تُوجَّه الموارد إلى مؤسسات مرتبطة بالحرس الثوري والمشاريع الإقليمية، بينما تتراجع أوضاع الجامعات عاماً بعد آخر.
وفي هذا السياق، يكتسب قرار الحكومة البريطانية بشأن الحرس الثوري الإيراني أهمية تتجاوز أبعاده الأمنية. فالحرس لا يمثل فقط القوة العسكرية الأكثر نفوذاً، بل يشكل أيضاً أحد أبرز مراكز القرار الاقتصادي والسياسي داخل البلاد. ومع تزايد الضغوط الدولية عليه، تتعزز الأسئلة داخل المجتمع الإيراني حول الكلفة التي دفعتها البلاد نتيجة تغوّل هذه المؤسسة على حساب التنمية والتعليم والاقتصاد.
كما أن البيان الذي وقّعه أكثر من 120 شخصية عربية يحمل رسالة مهمة للشباب الإيراني، إذ يؤكد أن رفض سياسات التوسع والتدخل في شؤون الدول الأخرى لم يعد يقتصر على المجتمع الدولي، بل أصبح موقفاً تتبناه شخصيات عربية من مختلف الاتجاهات، انطلاقاً من الحرص على أمن المنطقة واستقرارها. وهذه الرسالة تعزز القناعة بأن مستقبل إيران لا يمكن أن يبنى على تصدير الأزمات، بل على بناء علاقات طبيعية مع محيطها.
وتدرك السلطة أن الجامعات كانت دائماً الشرارة الأولى في التحولات الكبرى التي شهدتها إيران. ولذلك تحاول منع أي تواصل بين الحركة الطلابية وبقية فئات المجتمع، خشية أن يتحول الغضب الاقتصادي والاجتماعي إلى حركة وطنية واسعة يصعب احتواؤها. غير أن التجارب السابقة أثبتت أن تشديد القبضة الأمنية لم ينجح في إنهاء أسباب الاحتجاج، بل أدى إلى تعميقها.
وفي الوقت نفسه، يتزامن هذا الواقع مع استمرار نشاط وحدات المقاومة في مدن مختلفة، واتساع حالة السخط الشعبي، وهو ما يجعل الجامعات جزءاً من مشهد داخلي يتجه نحو مزيد من التوتر، لا نتيجة تحريض خارجي كما تدعي السلطة، بل بسبب تراكم الأزمات التي لم تجد حلولاً حقيقية.
إن مستقبل إيران لن يتحدد في ساحات التوتر الإقليمي، بل في قدرة الدولة على الاستجابة لمطالب جيل كامل يبحث عن الحرية، والعدالة، والعمل، والكرامة. وما دامت الجامعات تُعامل بوصفها تهديداً أمنياً لا بوصفها رصيداً وطنياً، فإن الفجوة بين السلطة والشباب ستظل تتسع، وسيبقى الخوف من الجامعات عنواناً لأزمة نظام يخشى المعرفة بقدر ما يخشى الاحتجاج.