تاريخ النشر: 2020-08-19 | 09:28
تاريخ النشر: 2020-08-19 | 09:28
تفاجأ الكثيرون قبل أيام من الإعلان الأمريكي عن اتفاق التطبيع بين الإمارات وإسرائيل برعاية أمريكية، على الرغم ان الجميع يعلم ان هنالك علاقات بدأت منذ سنيين بين الطرفين ، لكن لا أحد كان يتوقع ان يتم إعلان اتفاق سلام يضمن التطبيع الشامل في هذه الأوقات، وهنا السؤال الذي يطرح نفسه لماذا الآن تعلن الإدارة الامريكية بالتوصل الي هذا الاتفاق؟
لا شك ان معظم دول مجلس التعاون الخليجي منذ عقود لم تتعامل مع اسرائيل كعدو ، واسرائيل ايضا لم تنظر لهذه الدول كعدو ايضا ، ولم نعلم أن دولة الإمارات قامت بأي عمل يضر بالمصالح الإسرائيلية، وبالمثل لم نسمع عن قيام إسرائيل بالسعي ضد المصالح الإماراتية، او محاولة زعزعة النظام الحاكم هناك، حتي الدعم المالي للشعب الفلسطيني لم يكن بدون موافقة أمريكية. فلماذا إذن لم يكن هذا الاتفاق قبل عقود، أي بعد مؤتمر مدريد او اتفاقية اوسلو، صحيح ان هنالك بعض العلاقات التجارية لا سيما العمانية والقطرية، لكنها لم تتطور الى التطبيع الشامل، فهل كانت دول مجلس التعاون الخليجي تسطيع ان ترفض أي مقترح امريكي بالتطبيع الشامل مع اسرائيل بعد تغير النظام العالمي الى احادي القطبية تقوده الولايات المتحدة بدون منازع ؟ ،وتوقيع منظمة التحرير الفلسطينية اتفاقية سلام مع اسرائيل ، هذه الدول التي لم تتجرأ الوقوف على الحياد في حرب الخليج الثانية، والآن وفي ظل استمرار إسرائيل لاحتلال الاراضي الفلسطينية والعربية واستمرار العدوان الاسرائيلي على الشعب الفلسطيني من قتل وأسر وحصار وتهويد واستيطان وفي ظل مقترح امريكي ظالم للحق الفلسطيني يخرج الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بإعلان اتفاق سلام تاريخي بين إسرائيل والإمارات وكأن الدولتين كانا في صراع عسكري طويل .
يري الكثير من المراقبين ان الخوف من النفوذ الايراني في المنطقة هو الذي ادى الى هذا الاتفاق، على اساس إظهار ان ايران العدو الاول والمشترك لإسرائيل والامارات، لكن بالعودة الى الوراء فان الخطر الايراني المصطنع ليس وليد اللحظة، ففي بداية تسعينات القرن الماضي قادت الولايات المتحدة بقيادة تحالف لأكثر من ثلاثين دولة للهجوم على العراق الذي خاض ثمان سنوات حرب طاحنة مع ايران ، وبعدها مارست الولايات المتحدة حصار قاسي وظالم على العراق بحجج واهية ، وفي عهد الرئيس بوش الإبن قامت الولايات المتحدة بإنهاء حكم الرئيس الراحل صدام حسين ، الذي كان نظام حكمه السد المنيع للنفوذ الايراني في الخليج، اضافة الى اسقاط نظام طالبان ذات العلاقة السيئة مع ايران بالإضافة الى زعزعة استقرار باكستان ، هذا كله ادى الى تقوية ايران وتعظيم نفوذه التي ادت الى الدعم الواسع والعلني لحزب الله في لبنان و السيطرة شبه الكاملة على الحكم في العراق، و دعم انصار الله في اليمن وبعض الفصائل الفلسطينية ، التي صنعت منهجية اللادولة ،وفي عهد الرئيس الأمريكي السابق باراك اوباما وفي خضم احداث فوضي الربيع العربي سيطرت إيران بالكامل على أربع عواصم عربية وأصبح النفوذ الإيراني متسع ومتشعب لغاية أصبح عرش الملوك والرؤساء بات في مهب الريح ، وما زاد التخوف من النفوذ الايراني ،قيام الدول العظمى وعلى رأسها الولايات المتحدة بإبرام اتفاق مع ايران مقابل رفع العقوبات عنها الذي ازعج وزاد من مخاوف دول الخليج العربي. والآن وفي عصر الرئيس الحالي للولايات المتحدة الأمريكية ، لم تكن الصورة مشابهة ،فالرئيس ترمب يحاول الحد من النفوذ الإيراني في المنطقة وذلك بإلغاء الاتفاق النووي، واعادة العقوبات وفرض المزيد منها، واغتال بعض القيادات الموالية لإيران المسؤولة عن اتساع نفوذ ايران الخارجي او(تصدير الثورة كما تسميه ايران). فهل التطبيع مع اسرائيل هو مقابل هذه الاجراءات التي قامت بها ادارة ترمب، هذه القاعدة تكون صحيحة عندما تكون موازيين القوى متقاربة، فدول مجلس التعاون الخليجي لا سيما الامارات ليس لديها القوة او الجرأة لرفض الطلب او الأمر الامريكي اذا طلب منها حتى قبل ادارة ترمب.
اذا ما هو السبب الحقيقي من وراء الاتفاق الإسرائيلي الإماراتي في هذا الوقت، التفسير الوحيد هو متعلق فقط بالسياسة الأمريكية ، فإسرائيل منذ زمن بعيد لا تمانع من التطبيع مع الدول العربية ، والامارات كانت احوج ، وكانت في حالات انسب في السابق لهذا الاتفاق(اذا كان الأمر متعلق بإيران والمصلحة الفلسطينية)، وليس لديها القدرة على الرفض المطلق لأي طلب امريكي. وهذا يأخذنا الى تفسير مفاده ان الإدارات الأمريكية السابقة كانت تمنع أو لا ترغب بأي اتفاق شامل بين دول الخليج وإسرائيل ، بمعنى اخر ان الدولة العميقة في الولايات المتحدة لا تدعم التطبيع الشامل بين دول الخليج واسرائيل، وما حدث هو خروج الادارة الأمريكية عن هذه القاعدة ، وهذه ليس القاعدة الوحيدة التي خرجت عنها ادارة ترمب ،فهي خرجت عن قواعد كثيرة مثل العلاقة مع الاتحاد الأوروبي ،و اسس التعامل مع القضية الفلسطينية ،والعلاقة مع كندا، والخلاف مع هيئة الأمم المتحدة و تحالف الناتو ،ومحاولة الانسحاب العسكري من عدة مناطق كان اخرها التفكير من الانسحاب من ألمانيا والعديد من القضايا الاخرى التي لاقت معارضة واسعة . بتفسير اخر ان ادارة ترمب أزالت الفيتو عن التطبيع الشامل بين الخليج واسرائيل معتقدا ترمب ان ذللك يخفف من الالتزام المالي الامريكي لإسرائيل، وهذا السبب لاستعجال إبرام الاتفاق قبل إجراء الانتخابات الأمريكية التي لربما تطيح بالرئيس ترمب ، لذلك ستستنفر إسرائيل كل طاقاتها في الأشهر القليلة القادمة لإبرام مزيد من اتفاقيات التطبيع مع دول عربية أخرى، و إدارة ترمب لن توفر جهدا في هذا الصدد ،محاولة لكسب الناخب الأمريكي وذلك بالترويج ان اتفاقيات التطبيع بين الدول العربية وإسرائيل تساهم في نشر السلام في الشرق الأوسط.