تاريخ النشر: 2016-08-22 | 08:35
تاريخ النشر: 2016-08-22 | 08:35
التجسس اصطلاحًا هو التفتيش عن بواطن الأمور، وأكثر ما يقال في الشر، قال تعالى }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ{. وأما التحسس فيكون غالبًا في الخير وهو نقيض التجسس، وذلك لقوله تعالى في سورة يوسف }يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ{.
فالدول عادة تعمل بالمصطلحين السابقين، الأول وهو التجسس تستخدمه الدولة للتجسس على أعدائها وعلى الدول الأخرى من أجل الوقوف لهم بالمرصاد ، وحماية سيادتها، وعدم السماح لأي دولة بالعبث بأمنها الوطني والقومي، وهنا يكون المواطن والدولة في خندق الدفاع عن الوطن، حيث يشعر المواطن بقيمته وقيمة دولته، عندها نصل لقاعدة أساسية في علم النظم السياسة وهي "مجتمع قوي ودولة قوية" وليس "مجتمعاً قوياً ودولة ضعيفة". فالمجتمع القوي يخلق دولة قوية، وعلى الدولة أن تعمل بكل قوتها من أجل تدعيم أركان الاهتمام في المواطن وأمنه، واعتبار أمن المواطن ركناً أساسياً من أركان عمل الدولة ، حتى لو تطلب الأمر خوض حروب من أجل تثبيت قاعدة احترام مواطنيها مما ينتج عنه احترامًا لها .
إن تناول الموضوع يفرض علينا طرح سؤال مفاده: ما هو الفرق بين أجهزة الأمن في كل من الدول العربية والغربية فيما يتعلق بمصطلحي التجسس والتحسس؟
إن أجهزة الأمن في الدول العربية تتجسس على مواطنيها من خلال تتبع أخبارهم ومعرفة أسرارهم بالشر أي "إضعاف المجتمع"، الذي يؤدي إلى اعتقال المعارضين والعلماء، وقمع الحريات ، وإغلاق المؤسسات ، ومن ثم إعدام المعارضين للنظام، وذلك من أجل المحافظة على استمرار الحاكم المتسلط بالحكم، وكل ذلك مخالف لأبسط حقوق الإنسان.
فيما تعمل أجهزة الأمن في الدول الغربية على مبدأ التحسس الذي يقوم على قاعدة تتبع أخبار مواطنيها بالخير أي "خلق مجتمع قوي". وينتج عن ذلك ضمان الحريات وفق القانون وفتح ودعم مراكز أبحاث للعلماء والأخذ بدراساتهم؛ من أجل خدمة المواطنين ، والارتقاء بالدولة نحو التطور العلمي. وينتج هذا التحسس "مجتمعاً قوياً في دولة قوية"، وكل ذلك يمنح المواطن كامل حقوقه.
وبناءً على تعريف المفهومين السابقين اصطلاحًا نجد أن الدول العربية على الرغم من أن هويتها إسلامية إلا أنها لا تعمل كما ورد في الآيات القرآنية، بينما نجد أن الدول الغربية تعمل بها بطريقة غير مباشرة ، على الرغم من هويتها العلمانية. والمفارقة العجيبة أن الدول الغربية تدعم الدول العربية في سياساتها القمعية رغم مخالفتها أبسط الحقوق الديمقراطية، وتنظر لتلك الدول ولمواطنيها بازدراء. وفي الوقت نفسه تقوم الدول العربية بتبجيل الدول الغربية، وتتعامل مع مواطني هذه الدول بكل احترام ، حيث يفتح لهم جميع الأبواب حتى الموصدة أمام مواطنيها، في حين تجد أن الأبواب مغلقة أمام المواطنين العرب في الدول الغربية، وفي أغلب الأحيان يتم التعامل معهم بريبة وتوجس ويطلق عليهم صفة الإرهابيين. ولعل حادثة اغتيال الأسير المحرر عمر النايف في السفارة الفلسطينية في بلغاريا ، وتآمر السفير الفلسطيني أحمد المذبوح والمخابرات البلغارية عليه بخضوعها لمطلب الموساد الإسرائيلي لدليل على عدم احترام مواطني الدول العربية على الرغم من حملهم للجنسية الغربية. الأمر الذي يضع ديمقراطية الغرب وإنسانيتهم في دائرة الاتهام ؛ كونها تقتصر على مواطنيها دون سواهم ، فيما تمدّ كل أسباب البقاء والتسلط على شعوبها .
فالدول العربية تتجسس على مواطنيها ومعارضيها، وتتابعهم وتعتقلهم وتغتالهم وتتحالف مع الأعداء مقابل الوصول لمعارضيها، بينما الدول الغربية وإسرائيل تتجسس على الدول العربية وعلى مواطنيها. والدول العربية تعي ذلك ولم تحرك ساكنًا، والأكثر من ذلك أن إسرائيل تقدم معلومات للدول ولرعاياها في تلك الدول أن المنطقة كذا يحذر البقاء بها أو السفر إليها ، ومن ثم تستهدف من قبل الإرهاب الموجه، ولكن لا حياة لمن تنادي ، وكأن إسرائيل حصلت على المعلومات عن طريق علم التنجيم !!!.
ولعل تصريح نتنياهو بأن الموساد يساعده في بناء علاقات دبلوماسية وسياسية واقتصادية مع دول عربية وإسلامية مخالف لكل القواعد الأساسية في علم العلاقات الدولية، حيث تتكفل وزارة الخارجية في إقامة هذه العلاقات بين الدول وليس جهاز المخابرات -علاقات دولة بدولة وليس دولة بجهاز مخابراتي- ومثال على ذلك اجتماع يوسي كوهين رئيس الموساد مع وزراء خارجية كل من تركيا وقطر والسعودية في تركيا.
إن وصول الدول العربية لمرحلة الانحطاط السياسي والقبول في التعامل بهذه الطريقة يجعل الدولة كاملة تحت قبضة الأمن الخارجي الذي يوهمها بأنه يقدم لها معلومات ، وقد يكون هو من يعبث بأمنها لبقائها في حاجة له ولمعلوماته ، وقد يكون الموساد استطاع الوصول إلى رأس بعض السلطات أو بعض أركانها ، وعمل على ربطهم بطريقة مباشرة وغير مباشرة ، وهنا نستذكر تصريحات فتاة الموساد تسيبي ليفني حول ممارساتها الجنسية مع العديد من الشخصيات العامة والسياسية وتصويرهم، وعليه حال الدول العربية يواجه أكثر من علامة استفهام ؟؟؟؟.
فعندما تم أسر الجندي الإسرائيلي الجربوع جلعاد شاليط كرست إسرائيل كل طاقتها الأمنية والسياسية والدبلوماسية والإعلامية من أجل الوصول إليه وإعادته، وعندما فشلت دفعت ثمن إعادته وخضعت لشروط المقاومة وأطلقت سراح السجناء الفلسطينيين. وهذا أيضًا ماحصل مع حزب الله عندما أجبر إسرائيل على إطلاق سراح القائد الشهيد سمير القنطار الذي قدم ثلاثة عقود من عمره في سجون الاحتلال من أجل فلسطين والثورة الفلسطينية، ولكن لم تستطع الحكومة الفلسطينية أن تصدر بيان نعي له ، ولو كان عمل في شركة لقامت الشركة بتعداد مناقبه وهذا يدلل على أن قيمة الإنسان حتى لو قدّم حياته من أجل الوطن لا يساوي شيئاً عند الحكومات العربية !!!!.
بينما منظمات المقاومة الثورية سواء الإسلامية أو الشيوعية تلتزم بمبادئها ومعتقداتها وتطبق القوانين والعهود الدولية والإنسانية على الرغم من أنها ليست جزءًا من هذه المنظومة الدولية وقد تم نعتها بالمنظمات الإرهابية من قبل المنظومة الدولية نفسها ، وتم إدراجها على لوائح الإرهاب. هذه المنظمات الثورية تقوم بتطبيق القوانين الدولية على من يقع في قبضتها من أسرى وتُوفي لمناضليها المعتقلين في سجون العدو من خلال العمل على إطلاق سراحهم ، وأكبر دليل على ذلك هو تعامل المقاومة الفلسطينية مع الجندي المأسور شاليط عندما وقع في قبضة المقاومة في عام 2006، حيث كان معززاً مكرماً ويتناول المشاوي على بحر غزة، وتمت صفقة التبادل بعد أكثر من خمس سنوات قضاها شاليط في الأسر في مكان سري في قطاع غزة بعد أن عجزت إسرائيل بكل قدراتها الاستخبارية وعملائها في القطاع من الوصول إلى مكان أسره، كما فشلت في حروبها التي شنتها نهاية 2008 وبداية 2009 في إنقاذه من الأسر.
والأمر نفسه ينطبق على الذين وقعوا في أسر المقاومة اللبنانية (حزب الله)، عندما خرج العقيد المتقاعد في المخابرات الإسرائيلية الحنان تنيباوم عام 2004 في صحة جيدة وتم التعليق من قبل إسرائيل على أن حزب الله كان يسمن به، فكان الرد واضحًا وصريحًا من الأمين العام لحزب الله سماحة الشيخ حسن نصر الله بأنه يأكل مما نأكل. وفي المقابل تتعامل إسرائيل مع الأسرى الفلسطينيين والعرب بكل وحشية وخير مثال ما حصل مع الشيخ مصطفى الديراني أثناء التحقيق ، جيث مورس بحقه أساليب وحشية لا تمت للبشرية بأي صلة ، وهو ما تقوم به منظمات الإجرام وجماعات الشذوذ ......
ولو لم تقم إسرائيل باحتلال فلسطين وأجزاء من الدول العربية واعتقال المناضلين لما قامت المقاومة بأسر أي إسرائيلي. في حين أن إسرائيل تتجسس على الدول العربية والإسلامية وحتى الغربية ، وتعبث في أمنها ، وتقتل قيادات فلسطينية وعربية، ولعل تصريح رئيس الموساد الجديد يوسي كوهين أن نشاطه سوف يتركز على الخارج وبالأخص على الساحة العربية، في نفس الوقت الذي يتعامل فيه العرب مع من يتم اعتقالهم من عملاء الموساد الذين يتجسسون ويعبثون في أمن الدول العربية بكل احترام وحتى أفضل من التعامل مع مواطنيها المعارضين لهذه الأنظمة، ولعل تصريح الجاسوس عودة الترابين الذي أطلق سراحه من السجون المصرية في 10 كانون أول 2015 يشكل صاعقة لكل المعايير التي تصب في محاسبة من يعبث في أمن الوطن، فبدلًا من ردعه ليكون عبرة لنفسه ولغيره ولدولته إن فكرت مرة ثانية في تكرار التجسس نجد أن سجنه كان يماثل سجن الرئيس السابق حسني مبارك، وكيف أن دولته من خلال السفارة عملت على متابعته وتوفير كل احتياجاته وإطلاق سراحه. وفي المقابل، نجد أن الدول العربية لا تعير أي اهتمام لمواطنيها المظلومين والمعتقلين في الدول الأوروبية وفي إسرائيل، ولا تكلف نفسها حتى استيضاح الأمر من خلال سفاراتها، فمتى سيكون الإنسان أغلى ما تملك الدول العربية؟. فعندما يصبح المواطن العربي أغلى ما تملك دولته فلن تجرؤ إسرائيل على الاعتداء عليه وقتله بدم بارد ؛ لأنها تعرف بأنها سوف تدفع الثمن غاليًا، وأقل الإيمان قطع العلاقات الدبلوماسية ....إلخ .
وهنا لابد من إنصاف الحديث عن المحاولة الفاشلة لاغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) خالد مشعل في العاصمة الأردنية عمان في25 أيلول 1997 من قبل الموساد الإسرائيلي ، وطريقة تعامل المرحوم الملك حسين مع إسرائيل وإجبارها على فك شيفرة (الترياق المضاد( للسم القاتل، واعتقال الجناة واشتراطه تحرير الشيخ الشهيد أحمد ياسين من الأسر من أجل إطلاق سراحهم، مما شكل درسًا قاسيًا لإسرائيل. هذا ما يجب القيام به مع دولة الاحتلال ، وإعادة تذكير رئيس الموساد الجديد الذي يريد أن يسرح ويمرح في الساحة العربية بأن الاعتداء على الأمن القومي العربي يعني دفع الثمن غاليًا ، وعندها تكون الدولة محل احترام وتقدير من قبل العدو قبل الصديق .
وما درجت عليه إسرائيل في اغتيال القادة الفلسطينيين والعرب، وتمادت في اغتيالاتها في كل مكان في العالم ولم يمس أحد من قادتها. ولكن عندما رفعت إسرائيل مستوى الاغتيال ليصل للرجل الثاني في منظمة التحرير الفلسطينية الأمين العام للجبهة الشعبية الشهيد أبو علي مصطفى في مكتبه في رام الله بتاريخ 27 آب 2001 كانت قد وجهت ضربة قوية ، ليس فقط للجبهة الشعبية بل للشعب الفلسطيني ولقيادته، على إثرها بدأ الشارع الفلسطيني والرفاق في الجبهة الشعبية يطالبون برد قاسٍ على إسرائيل، وأخذت الجبهة من خلال جناحها العسكري قرارًا باستهداف ووضع حد لحياة الوزير الإسرائيلي المتطرف رحبعام زئيفي بعد أقل من شهرين على اغتيال الأمين العام ، فكان درسًا قاسيًا لإسرائيل ولأمنها وفرحة عارمة للشعب الفلسطيني الذي أخذ يزداد ثقة بأن القيادة الفلسطينية والمقاومة الفلسطينية قادرة على الوصول لأكبر رأس في إسرائيل. وهنا من باب الأمانة العلمية يسجل للجبهة الشعبية بأنها رفعت سقف الاستهداف بأن أي استهداف للقيادة الفلسطينية سيكون مقابله استهداف للقيادة الإسرائيلية، وكسرت معادلة بأن إسرائيل فوق الجميع ولا أحد يستطيع الوصول لقياداتها ولو طبقت قاعدة القائد الأسير الأمين العام للجبهة الشعبية أحمد سعدات "الرأس بالرأس" من قبل الفصائل الفلسطينية لوقفت إسرائيل تفكر مليون مرة قبل اغتيال قيادات الشعب الفلسطيني كما يقال في العامية "زيك زيك ومفيش حد أحسن من حد".
وتجدر الإشارة إلى أنه عندما وقعت إسرائيل مع منظمة التحرير الفلسطينية اتفاق أوسلو المشؤوم في سنة 1993 وضعت نصوصاً تقيد وتجبر السلطة الفلسطينية بعدم التعرض للعملاء ومعاقبتهم ، أو المسّ بهم ، وعدم محاكمة الإسرائيليين الذين يرتكبون جرائم في أراضي السلطة الفلسطينية المسماة منطقة (أ) في المحاكم الفلسطينية وتسليمهم لإسرائيل عن طريق الارتباط العسكري ، بينما المواطن الفلسطيني الذي يدافع عن نفسه ووطنه يعتقل ويعذب من قبل إسرائيل، وفي أغلب الأحيان يقتل، فحتى لو زحلق جندي إسرائيلي على حاجز وظن الجندي الآخر بأنه تم الاعتداء على زميله يقوم بإطلاق النار على الفلسطينيين المتواجدين على الحاجز من شدة خوفه وجبنه ومدى استهتاره بأرواح الشعب الفلسطيني، ولا يحاكم. ولعل حادثة إحراق عائلة دوابشة في قرية دوما قضاء نابلس من قبل المستوطنين مازالت ماثلة أمام العالم، حيث إن إسرائيل لم تقم بمحاكمة الجناة المجرمين لإدعائها بأن القضية غير واضحة والأدلة غير كافية وأفرجت عنهم.
إن اعتداء المستوطنين على الشجر والمساجد والمواطنين وإحراقهم يتم بحراسة الجيش الإسرائيلي، بينما إذا قامت مجموعة فلسطينية مقاومة بمعاقبة المستوطنين وقتلهم تتعرض للاعتقال والمحاكمة أو القتل من قبل إسرائيل ، والأدهى من ذلك أنه يتم اعتقالهم من قبل السلطة الفلسطينية ومحاكمتهم.
ونخلص لقاعدة مفادها أن "الدول العربية تتجسس داخليًا وتتحسس خارجيًا بعكس الدول الغربية وإسرائيل الذين يتجسسون خارجيًا ويتحسسون داخليًا".
*دكتوراة النظم السياسية المقارنة