تاريخ النشر: 2020-06-15 | 13:35
تاريخ النشر: 2020-06-15 | 13:35
احتدمت المعارك في ليبيا بين قوات «حكومة الوفاق» برئاسة فائز السراج، وقوات «الجيش الوطني» بقيادة الجنرال خليفة حفتر، حول مدينة سرت الاستراتيجية التي يمكن للسيطرة عليها أن تمهّد الطريق أمام قوات «الوفاق» للوصول إلى شرق البلاد، واستعادة الهيمنة مجدداً على حقول الإنتاج في منطقة «الهلال النفطي».
وقبل ذلك، كانت قوات السراج - التي تدعمها تركيا بقوة - تمكنّت من استعادة السيطرة على قاعدة «الوطية» العسكرية، ومدينة ترهونة (90 كلم) جنوب شرق طرابلس، التي كانت تعد غرفة عمليات رئيسية لقوات حفتر، وفي المحصلة إعادة سيطرتها على كامل غرب ليبيا، وذلك للمرة الأولى منذ شهر نيسان/ أبريل 2019، وهو التاريخ الذي أطلقت فيه هذه القوات عملية عسكرية بهدف السيطرة على طرابلس.
وكانت قوات حفتر، التي تسيطر على شرق ليبيا ومعظم ثروتها النفطية، سيطرت على سرت في مطلع العام الماضي. وبرّرت انسحابها والتخلي عن المواقع التي سيطرت عليها سابقا في غرب ليبيا، في إطار ما أسمته «تنسيقاً مع قوى إقليمية ودولية تمهيداً للحوار السياسي»!.
الحرب والفوضى
ومنذ سقوط نظام معمر القذافي في 2011، تشهد ليبيا حالة من الفوضى وعدم الاستقرار. وتتنازع الحكم فيها منذ 2015 سلطتان؛ حكومة الوفاق الوطني التي يرأسها السراج، ومقرها طرابلس وتشكلت بموجب «اتفاق الصخيرات»، وبإشراف الأمم المتحدة منذ أواخر العام 2015، وحكومة موازية يدعمها الجنرال حفتر في شرق البلاد. وفي الأسابيع الأخيرة، وبعد قتال استمرّ على مدار 14 شهراً، انهارت قوات حفتر وأجبرت على التراجع ليس فقط من العاصمة، بل من غرب ليبيا بشكل كامل حتى مدينة سرت.
وخلال السنوات السابقة أُطلقت الكثير من المبادرات في سبيل إيجاد حلّ للأزمة المستعصية في البلاد، لكنه لم يكتب لها النجاح والترجمة على أرض الواقع، وبقي القول الفصل لآلة الحرب ومعاركها، التي تشتدّ تارة وتهدأ تارة أخرى، في ظلّ وجود كثير من اللاعبين الداخليين والإقليميين والدوليين على الساحة الليبية.
وطرح نزول تركيا بثقلها في الملف الليبي ودعمها المباشر لحكومة السراج، والتطورات العسكرية التي أعقبت ذلك، الكثير من الأسئلة حول مستقبل هذا البلد، خصوصاً وأنّ الوضع فيه يهمّ كثيراً دولاً عربية مؤثرة مثل مصر وتونس والجزائر والسعودية، في وقت تحوّل فيه منذ سنوات إلى ساحة للصراع ومدّ النفوذ بين أكثر من جهة إقليمية ودولية؛ من تركيا إلى السعودية إلى روسيا وصولاً إلى أوروبا المنقسمة على نفسها في هذا الشأن، ومروراً كذلك بالولايات المتحدة التي حذرت أخيراً من تمدد النفوذ الروسي فيه، وألمحت إلى إمكان نشر قوات عسكرية لها في تونس.
التدخل التركي وأدواته المحلية!
وكانت أنقرة وقعت اتفاقين في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي مع حكومة الوفاق، أحدهما عسكري ينصّ على أن تقدم تركيا مساعدات عسكرية لها، والثاني يتناول ترسيم الحدود البحرية بين ليبيا وتركيا، ويتعلق بوضع اليد على موارد نفطية محتملة في مياه المتوسط.
وعزا مراقبون رفض «حكومة الوفاق» للدعوات الدولية إلى وقف إطلاق النار الصادرة أخيراً، إلى النفوذ القوي الذي تتمتع به الجهات المرتبطة بالتنظيمات المسلحة المتطرفة والإخوان المسلمين داخل هذه الحكومة، مثل وزير الداخلية فتحي باشاغا، الذي يمكن تصنيفه كواحد من أهم أذرع أنقرة في ليبيا، وقد أكّد أخيراً أنهم لن يدخلوا في محادثات سياسية مع «الجيش الليبي» إلا بعد استعادة مدينة سرت وقاعدة الجفرة، وذلك في تحدٍ مباشر لمبادرة القاهرة التي لقيت ترحيباً من الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا.
وفي هذا السياق، ذكرت مصادر ليبية أن السراج، وبضغط من باشاغا الذي يكثف ضغوطه على مختلف أعضاء «المجلس الرئاسي» لإخضاعهم لمشيئة الأطراف الداعمة له، عمد إلى تجميد عضوية نائبه الأول، أحمد معيتيق، وذلك على خلفية طلب الأخير من آمر غرفة «تحرير سرت والجفرة» وقف عمليات اقتحام سرت بناء على طلب موسكو التي أكدت له أنّ «سرت خط أحمر».
ووصف قرار تجميد عضوية معيتيق بأنه أشبه بـ«إعادة ترتيب لتركيبة المجلس الرئاسي»، ارتباطاً بالأجندات السياسية التي تتداخل فيها الحسابات الداخلية وموازين القوى التي أفرزتها قواعد الصراع الإقليمية الجديدة.
ولجأ باشاغا، الذي يتهم من قبل الليبيين بقيادة انقلاب ميليشيات «فجر ليبيا» على نتائج الانتخابات التشريعية في 2014، إلى استخدام فزاعة «الوجود الروسي» لإقناع واشنطن باستمرار دعمها لحكومة السراج. في وقت يراهن فيه الغرب، وفي مقدمته الولايات المتحدة، على التسوية السياسية لسحب الملف الليبي من سيطرة روسيا وتركيا، علماً أنّ إصرار باشاغا على القتال صار يهدد بانهيار جهود التسوية على نحو كامل. وكانت السفارة الأميركية في طرابلس أول المرحبين بـ«مبادرة القاهرة» لوقف النار، ما يُرجّح أنّ صمتها على التدخل التركي قد يكون مردّه «موازنة القوة على الأرض لإجبار حفتر على التفاوض لا أكثر».
وحاول باشاغا من خلال تضخيم الخطر الروسي اقناع دوائر صنع القرار في واشنطن وبعض العواصم الأوروبية باستمرار القتال ضد قوات حفتر. وقد عمد إلى إرسال رسائل إلى الرأي العام الأميركي مفادها أن مدينة سرت تحظى بالاهتمام لأنّ السيطرة عليها تعني «منع روسيا من إقامة قاعدة فيها».
وقال: «سرت لها قيمة رمزية لدى حكومة الوفاق، لأن تحالفاً بقيادة الولايات المتحدة ساهم في هزيمة تنظيم داعش هناك عام 2016». مضيفاً أنه «ستكون هناك مفاوضات سياسية مع الشرق، لكن تتعين استعادة سرت والجفرة أولاً… لمنع روسيا من إقامة قواعد فيهما».
وفسّر مراقبون جرأة باشاغا وتحديه للمجتمع الدولي بعلاقته الجيدة مع دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة، وخاصة داخل وزارة الخارجية التي تتغاضى عن انتهاك تركيا للقرارات الدولية بشأن حظر توريد السلاح إلى ليبيا، وإرسالها مرتزقة للقتال إلى جانب القوات الموالية لـ«الوفاق»، مقابل تضخيمها للدور الروسي.
ويتهم دبلوماسيون أميركيون، كلفوا بمهمات في ليبيا منذ 2014 وحتى الآن، بالانحياز إلى «الإسلاميين»، وهو ما يطرح تساؤلات عما إذا كانت الخارجية الأميركية ستجازف بمواصلة دعم تركيا والإسلاميين لمنع روسيا من تحقيق طموحها بالتمدد في ليبيا، بالنظر إلى أنّ ذلك قد يؤدي إلى انهيار تام للمسار السياسي.
وإلى ذلك، أعرب بعض المراقبين عن خشيتهم من سيناريوهات مطروحة لحل الأزمة في ليبيا على أرضية خطة للتقسيم يرون أن النقاش حولها خرج من الدوائر الضيقة إلى نطاق أوسع.
وتعتمد على وجود ثلاث دويلات في ليبيا على قاعدة الأقاليم الثلاثة، أي «برقة» في الشرق، و«طرابلس» في الغرب، و«فزان» في الجنوب، علماً أن هذه الخطة كان قد أعدها سباستيان غوركا المسؤول الكبير في البيت الأبيض، والمكلف من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب بملف السياسة الخارجية.