تاريخ النشر: 2017-10-25 | 19:55
تاريخ النشر: 2017-10-25 | 19:55
طالعتنا الصحف والمواقع الاليكترونية بخبرٍ منذ عدة أيام، مفاده نشر مؤسسة طومسون رويترز أول استطلاع دولي لآراء الخبراء عن فرص النساء في المدن الكبرى حول العالم، والتي يزيد عدد سكانها عن عشرة ملايين نسمة، في عيش حياة كريمة، فكانت النتيجة حصول القاهرة على المركز الأول على مستوى العالم، كأكثر المدن خطورة على الظروف المعيشية للنساء.
واستند الاستطلاع إلى عدة عوامل، منها مدى حماية النساء من العنف الجنسي، ومن العادات الثقافية المؤذية (كختان الإناث)، ومدى وصولهن إلى مستوى جيد من العناية الصحية، والتعليم، والدخل.
قاهرة المعز، مدينة الألف مئذنة، لم تتصدر ذلك المشهد المأساوي بين ليلةٍ وضحاها، في 2009 قام فريق بحثي بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية / قسم العلوم السياسية، بعمل دراسة عن التحرش الجنسي "أسبابه، تداعياته، آليات المواجهة" دراسة حالة المجتمع المصري، جاء فيها أنّ 20 ألف حالة اغتصاب وتحرش، تُرتكب سنويًا على الأقل، وأنه من بين 100 امرأة تتعرض 68 منهن للتحرش اللفظي أو البدني، وفي هذا العام "2009" وخلال ثلاثة أشهر، تم الإبلاغ عن 38 قضية تحرش تعرضت لها المرأة المصرية، ورُغم ذلك فالمسكوت عنه في هذه الجريمة أكبر بكثير من الذي يتم الإبلاغ عنه.
كما أفادت الدراسة أنّ التحرش لا يقتصر فقط على عمر أو طبقة اجتماعية معينة، ولكنه يعوق تقدم المرأة ديموغرافيًا، مؤكدة أنّ أبرز أشكال التحرش الشائعة هو اللمس بنسبة 40%، يليه التحرش بالألفاظ البذيئة بنسبة 30% بحسب تقرير لصحيفة المصري نُشر في ذلك العام.
وأكدت العديد من التقارير على ازدياد ظاهرة التحرش الجماعي بعد أحدث يناير 2011، فقد ذكرت دراسة للأمم المتحدة أنّ 9 من كل 10 سيدات تعرضن لبعض أشكال التحرش الجنسي، كما جاء في التقرير السنوي للمجلس القومي لحقوق الإنسان في مصر أن 64 من النساء في مصر يتعرضن للتحرش الجنسي بشقيه اللغوي والجسدي، كما وثّق التقرير السنوي الثاني الصادر عن مبادرة "امسك متحرش" في مصر 269 حالة تم الإبلاغ عنها بين أكتوبر 2012 إلى مارس 2013، ويقول التقرير إنّ 46 من المتحرشين دون سن الثامنة عشرة، وأنّ 63 من حالات التحرش وقعت في الشوارع العامة والميادين والمواصلات العامة وأن 52 من حالات التحرش تشمل اللمس باليد، ويؤكد التقرير على أنّ عدد حالات التحرش العنيفة أكبر بكثير من هذا الرقم؛ لأن عدد اللواتي يفضلن عدم الإبلاغ والتستر على الأمر خوفا من الفضحية أكبر بكثير من اللواتي يتحدين العادات البالية ويقررن الإبلاغ عن الحادثة، ونحن في ذلك الأمر ندخل في ثقافة مجتمع لديه موروث من العادات والتقاليد، يمنع البنت أو السيدة من التحدث عن هذا الأمر لا الإبلاغ عنه؛ لأنها في النهاية سيقع اللوم عليها وحدها، بالإضافة إلى بطء التقاضي في هذه النوعية من القضايا - رُغم سَن قوانين مشددة تجاهها – عمل على تفاقم هذه الظاهرة بشكل كبير.
هذا عن نقطة الحماية والأمان، نأتي إلى العادات الثقافية المؤذية، فيقفز إلى الأذهان فورًا العنف الواقع على المرأة، وهو عنف له أشكال كثيرة تختلف تبعًا إلى الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، ويتخذ ذلك العنف صورٌ متعددة، كوأد البنات، واختيار جنس الجنين، والزواج المبكر، والعنف المتصل بالمهر، وختان الإناث، والجرائم التي تُرتكب بإسم الشرف، وبالنسبة للظروف الاقتصادية التي تتعلق بالدخل وهي نقطة تقع تحت بند العنف فتتمثل في حرمان المرأة من الحصول على الموارد الأساسية والتحكم بها وبمصدر دخلها.
أما عن التعليم، فلا يختلف الحال كثيرًا عن كل ما سبق – بل قد يكون الحال أسوأ – ففي 2014 نشر المجلس القومي للمرأة تقريرًا صادرًا عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، عن نسبة الأمية بين الإناث في 2012 مُقارنةً بالذكور، وخَلُص التقرير إلى انتشار نسبة الأمية بين الإناث بـ 32.5% في حين كانت النسبة بين الذكور 17.6%، وفي 2016 انخفضت هذه النسبة قليلاً بين الإناث لتصل إلى 30.9%.
وفي اعتقادي أنّه إذا كان لهذا الاستطلاع الصادر عن مؤسسة طومسون أي مصداقية، ويمكن الأخذ بما جاء فيه، فذلك سيكون نتيجة عامل العنف الجنسي أكثر من أي عاملٍ آخر؛ لأنّ جميع صور العنف الأخرى الواقعة على المرأة المصرية، يحدث معظمها في الريف أكثر من الحضر، إلا أنّ المؤسسة قد أخذت القاهرة نموذجًا على تردي أوضاع المرأة المصرية، ولا أدري حقًا لم كل هذا الاعتراض من قِبل المنظمات الحقوقية ومجالس المرأة على هذا التقرير، فالنموذج واضح جدًا، والتقرير يضع مصر في تحدي كبير وصعب؛ للتخلص من تلك الآثار السلبية التي تُنكر على المرأة أبسط حقوقها، ويجب أنْ تستوعب المنظمات الأهلية قبل الحكومية فكرة علاج الكارثة من جذورها التي تضرب بعمقها في أرض الصعيد والريف، لسنوات طويلة، والحقيقة هناك صعوبة كبرى في وضع حلول لها هناك، لكن بالتأكيد هناك حل، هناك أمل، علينا فقط الأخذ بالأسباب، والعمل على إزالة كافة المعوقات الممكنة، التي تجعلنا نرجع إلى الخلف لا نسير إلى الأمام.
نعم نحن في القرن الحادي والعشرين، لكن لدينا معتقدات عقيمة تجعلنا نقف محلك سر عند قرون ماضية، لن يُخرجنا من ذلك النفق المظلم فيها سوى التدبر والتفكر وإعمال العقل، وعلينا أن نعيَّ جيدًا أنّ المرأة وبحق نصف المجتمع الفاعل، والتي أوصانا بها الرسول صلّ الله عليه وسلم، وديننا الحنيف في مواضع كثيرة، فكيف تُهان إلى هذا الحد؟!، سؤال لا أجد له أي تفسير منطقي أو إجابة.