تاريخ النشر: 2025-04-22 | 20:59
تاريخ النشر: 2025-04-22 | 20:59
في عالمٍ امتلأ بالصراخ السياسي والمصالح المتضاربة، تُختزل المآسي أحيانًا في نشرات أخبار باردة، تُلقي الأرقام دون إحساس، وتعدّ الضحايا وكأنهم مجرد إحصائيات على ورق. لكن الحقيقة المؤلمة أن من يُقتَلون في غزة ليسوا أرقامًا. إنهم أرواح، ووجوه، وقلوب كانت تنبض بالأمل، وأحلام صغيرة كان يمكن لها أن تنمو لولا أن اختنقتها صواريخ الظلم وصمت العالم.
أولئك الأطفال الذين غطّتهم دماؤهم، لم يكونوا أطراف نزاع، ولا حملة سلاح، بل كانوا يحملون حقائبهم الصغيرة، ويحلمون بيوم دراسي هادئ أو بقطعة حلوى بعد الإفطار. أولئك الآباء الذين استُشهدوا وهم يحتضنون أبناءهم، لم يكونوا مجرمين، بل رجالًا كانوا يحاولون حماية بيوتهم، ونسج الأمان في قلب العاصفة.
غزة لا تُحصي موتاها بالأرقام، بل بالأسماء، بالوجوه، بالصراخ الذي لا يزال يتردد في الزوايا، بالعيون التي فارقت الحياة وهي تنظر إلى السماء تسأل الرحمة، لا النجدة. لكن العالم يكتفي بالأرقام، يقرأ أن "عشرات قُتلوا"، ويمضي كأن شيئًا لم يحدث.
كم من أم دفنت أبناءها مرة بعد مرة، وكم من طفل نام على أنقاض بيته، يحضن خواء المكان ويهمس باسم أمه التي لم تجبه؟! هؤلاء ليسوا مجرد "مدنيين قُتلوا"، بل كانوا قلوبًا خُلقت لتُحب، لتعيش، لتضحك، لا لتموت بهذا الصمت المخزي الذي يخيم على ضمير الإنسانية.
المؤلم أن المجازر تُبث على الهواء، بينما الضمير العالمي مغيّب، أو يتثاءب على وقع البيانات الباهتة، والتنديدات الخجولة التي لا تردع معتديًا، ولا تحمي بريئًا. هل صار مشهد جثة طفل تحت الأنقاض عاديًا إلى هذه الدرجة؟ هل صار الدم الفلسطيني لونًا مألوفًا في نشرات الأخبار لا يثير سوى التنهيدة العابرة؟
في غزة لا تنتهي الحكايات عند القصف، بل تبدأ مع من بقي حيًا وهو يحمل على كتفيه جرح الوطن وذكريات الأحباب. وفي كل بيت فلسطيني قصة لا تُروى، وصرخة لا تجد لها صدى، لأن العالم أصمّ حين يتعلق الأمر بعدالة فلسطين.
هؤلاء الذين يُستشهدون كل يوم ليسوا مجرد "خسائر" في صراعٍ سياسي. إنهم شموع انطفأت، ودفاتر توقفت عن الحلم، وأحضان خالية. إنهم وجعٌ لا يُترجم بلغة الإحصاء، بل بلغة الإنسانية التي يبدو أن كثيرًا من العالم قد نسيها.
تذكروا دائمًا: من يموت في غزة، يموت لأن العالم قرر أن يصمت.
فلا تجعلوا من جراحهم أرقامًا تُنسى… بل ضمائر توقظنا من سبات الخذلان.