مع إقتراب نهاية مدة التسعة أشهر التي حددها السيد جون كيري دون التوصل إلى إتفاق تسوية أو إتفاق إطار للتسوية، بسبب الغطرسة والتعنت الإسرائيلي الذي يحاول أن يفرض استسلاماً على الشعب الفلسطيني، والتسليم له بكل مطالبه التوسعية والعنصرية، ومع الدعوة لعقد اجتماع خاص للمجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية يومي 26/27 الشهر الجاري لتحديد الموقف الفلسطيني إزاء ذلك، تعالت بعض الأصوات الفلسطينية والعربية مطالبة بحل السلطة، كرد على هذا الإخفاق الأمريكي والتعنت الصهيوني، لاعتقاد هذه الأصوات والآراء أن ذلك سوف يعيد الصراع إلى نقطة الصفر، ويحمل سلطات الاحتلال مسؤولية إدارة المناطق الفلسطينية المحتلة من جديد ويضع عليها أعباء اقتصادية وأمنية جديدة، قد يكون هناك ما يبرر مثل هذه الآراء، ولكن السلطة الفلسطينية ليست ولم تكن منحة من سلطات الاحتلال وكرماً منها، بل جاءت نتيجة نضالات طويلة وشاقة قدم خلالها الشعب الفلسطيني تضحيات جسام، توجت باتفاق أوسلو في 13/09/1993م، لتولد أول سلطة وطنية فلسطينية على أرض فلسطين ولتمثل حجر الأساس في إنهاء الاحتلال الصهيوني وتمكين الشعب الفلسطيني لاحقاً من تقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة الفلسطينية وعاصمتها القدس، ولكن الاحتلال بالتأكيد كان ينظر إلى هذه السلطة نظرة الشك والريبة، وسعى بمختلف الوسائل والأساليب اللامشروعة إلى قتل هذا الأمل الفلسطيني، وتحويلها إلى سلطة حكم ذاتي دائم، على عكس ما نص عليه إتفاق أوسلو واعتبارها حكماً ذاتياً محدوداً جغرافياً وزمانياً، وكبداية لزرع الثقة بين الطرفين والعمل على التوصل إلى إتفاق سلام نهائي في أجل كان يجب أن لا يتجاوز السنة الخامسة من بدء تطبيق نظام سلطة الحكم الذاتي، ولكن الرياح لم تأت كيفما اشتهى وتمنى الفلسطينيون، حيث تمكنت سلطات الاحتلال من خلال سياساتها القائمة على المماطلة والتسويف ووضع الاشتراطات اللامعقولة أمام العملية التفاوضية من إدامة احتلالها ومواصلة سياساتها التوسعية والعدوانية إلى أن وصل الأمر إلى ما وصل إليه من حائط مسدود عجزت معه الدبلوماسية الأمريكية من تحقيق اختراق يسجل لها انتصاراً دبلوماسياً، في إنهاء أعقد وأقدم صراع تشهده المنطقة.
إن من أخطر القضايا التي أحدثها إتفاق أوسلو في الحالة الفلسطينية هي الوضعية المزدوجة التي وضع فيها الفلسطينيون، وهي تمثل الحالة الفريدة في تاريخ الشعوب المحتلة وحركات التحرر الوطني، والمتمثلة في أن يوكل للشعب المحتل إدارة وتصريف شؤونه اليومية، وهو يمر في مرحلة تحرر وطني لم تكتمل، فأصبح مطلوباً من الحركة الوطنية الفلسطينية أن تدير شؤون شعبها اليومية في المناطق المحتلة وفق ما اتفق عليه، وأن تواصل النضال لاكتمال عملية التحرر الوطني محكومة أيضاً بالأجواء التي رسمها إتفاق الحكم الذاتي المحدود، هذا التناقض الخطير الذي أحدثه إتفاق أوسلو سهل وجود معارضة فلسطينية شديدة وقوية له، لتأخذ منها سلطات الاحتلال في كثير من الأحيان مبرراً وذريعة للنكوث بوعودها وفرضها اشتراطات لا يقوى الشعب الفلسطيني ولا حركته الوطنية على الإلتزام بها، مما أعاد الصراع إلى دائرة العنف في محطات كثيرة، أبرزها انتفاضة النفق لعام 1996م، ثم انتفاضة الأقصى في عام 2000م، ثم الحرب الظالمة التي شنتها سلطات الاحتلال على قطاع غزة في 2008/2009 وكذلك في 2012م، وأمام هذه العدوانية الصهيونية والغطرسة والمماطلة والتسويف واصطناع الذرائع والاشتراطات غير المنطقية، كان لابد للقيادة الفلسطينية أن تتخذ سلسلة من الإجراءات السياسية والدبلوماسية والمقاومة الشعبية لمواجهة ذلك، وكان أبرزها التوجه إلى محكمة لاهاي عام 2005م لطلب رأي قانوني حول شرعية جدار الفصل الذي أقامته سلطات الاحتلال، ثم التوجه إلى الأمم المتحدة لطلب العضوية لدولة فلسطين على حدود الرابع من حزيران 1967م وعاصمتها القدس وحل مشكلة اللاجئين وفق القرار 194 وقد نجحت الدبلوماسية الفلسطينية في هاتين المحطتين وصدر قرار محكمة لاهاي بعدم مشروعية بناء جدار الفصل العنصري كما قبلت عضوية دولة فلسطين كعضو مراقب في الأمم المتحدة بموجب القرار 69/67 ومثلا هذين القرارين أهم إنجاز دبلوماسي للقضية الفلسطينية، فلم تعد معهما الأراضي الفلسطينية أراضي محتلة ومتنازع عليها، وإنما هي بالتوصيف القانوني أصبحت أراضي دولة فلسطين المحتلة.
أمام هذه الحالة فإننا نرى أن خيار حل السلطة من الجانب الفلسطيني هو خيار ((مفلس)) يضع كافة الإنجازات التي حققها نضال الشعب الفلسطيني في مهب الريح، وإنما المطلوب الآن هو إعادة النظر في كثير من السياسات المتبعة لوضع أسس جديدة وآليات عمل كفاحية جديدة للشعب الفلسطيني ومؤسساته، تؤدي في مجملها إلى تحويل السلطة الوطنية إلى دولة فلسطين المستقلة على كامل الأرض الفلسطينية المحتلة للعام 1967م وعاصمتها القدس الشرقية وفق القرار الأممي 69/67 وتاريخ 29/11/2012م، ومواجهة الكيان الصهيوني في المؤسسات الدولية التي أصبح بمقدور الشعب الفلسطيني الانتساب إليها واكتساب صفة العضوية العاملة فيها، لتضييق الخناق على كيان الاحتلال وعزله دولياً وصولاً إلى إلزام المجتمع الدولي بتوفير الحماية للشعب الفلسطيني من بطش الاحتلال وممارساته التوسعية والعدوانية على حساب الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، وهذا يقتضي أن تستعيد منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني صفتها التمثيلية وتفعيلها من خلال أخذ فصائل العمل الوطني لدورها في مسار عملية التحرر الوطني، وأن تستوعب منظمة التحرير الفلسطينية كافة الفصائل التي لا زالت خارج الإطار وخصوصاً حركتي حماس والجهاد الإسلامي، وتحريرهما من الاستقطابات الإقليمية والدولية والتي دفع الشعب الفلسطيني أثمان باهظة جراءها، ووضعت ورقة مساومة في يد الاحتلال لينفذ من خلالها للتخلص من كثير من الاستحقاقات المتوجبة عليه، وعندها تنتظم قنوات الكفاح الوطني الفلسطيني بأشكالها المختلفة، بدءاً من تعزيز دور السلطة الوطنية في تعزيز صمود الشعب الفلسطيني، وإدارة شؤونه اليومية، وتطوير أداء المقاومة الشعبية الشاملة للاحتلال، وتوحيد القيادة والمؤسسة الفلسطينية وإنهاء الإنقسام، ومواصلة هجوم السلام الفلسطيني عبر مقاضاة سلطات الاحتلال على جرائمها المرتكبة والتي سترتكب في حق الشعب الفلسطيني، وتفعيل المشاركة والعضوية لدولة فلسطين في مؤسسات ومنظمات المجتمع الدولي والإتفاقات الدولية، حتى تصبح دولة فلسطين حقيقة قائمة على أرض الواقع ...
فالحل يكمن في تحويل السلطة إلى دولة فلسطين المستقلة لا في حلها ...!
*عضو المجلس الوطني الفلسطيني