تاريخ النشر: 2017-03-22 | 21:51
تاريخ النشر: 2017-03-22 | 21:51
في نهاية شهر مارس الجاري يلتئم اجتماع مؤتمر القمة العربية على شاطئ البحر الميت، في ظل وجود ديناميات جديدة، تعزز من حركتها النظرة الأميركية الجديدة للمنطقة عقب وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض وما يصدر عنه من تصريحات واشارات رغم عدم استقرارها وعدم اتساقها في سياق محدد فهي تعني ان هناك شكل جديد للتعامل مع قضايا المنطقة.. كما انه لابد من الالتفات الى ما احدثه التواجد الروسي في المنطقة واثره على صياغة الخريطة السياسية للمواقف فيها..
ورغم كل ما يتنبأ به الكثيرون عن ضعف المؤتمر وعدم قدرته على تجاوز التحديات المطروحة عليه ورغم ان البعض يرى ان هناك ضعفا او تعقيدات من جهة العمل التحضيري للقمة، فإنه «ضعيف جداً»، كما يقول دبلوماسي مصري، لكن كما يقول بعض المتابعين والمحللين والمقربين من الاجواء «ما قد يُعوّل عليه، فهو بعض القرارات غير الملزمة وبعض الفقرات التي سوف يشملها البيان الختامي، وهي رهن أولاً بقدرة الدولة المضيفة ــ الأردن ــ وزعيمها على إقرارها، وثانياً هي رهن التوافقات العربية على إدخال بعض الإضافات النوعية ــ وخاصة المرتبطة بالسياسة الإقليمية».
في الاردن حيث سيعقد المؤتمر تعيش المملكة تحسبات من اختراقات للمجموعات المسلحة التي تواجه ظروفا صعبة في سورية والعراق بعد ان خسرت كثيرا من مواقعها. وهذا الواقع دفع بالاردن الى الاقتراب من سياسات جديدة ليصبح جزءا من الحل بدل ان يكون جزءا من المشكلة الامر الذي يعني ان روحا جديدة تسري في الموقف السياسي الاردني ترتكز على جو المصالحات والتوافقات الاقليمية، ورغم ان السياسة الاردنية هي محصلة ادراك ما للخارجي والاقليمي من ادوار واجندات في المنطقة الا انها في هذه الايام تعيش حالة قلق حقيقي من ان تصبح مسرحا للعمليات المسلحة والتي تخفي وراءها مشاريع سياسية قد يكون التوطين احدها.. وهنا يكمن القلق الاردني الوجودي..
ويبدو ان المصالحات العربية ستجد فرصتها في هذا المؤتمر لاسيما بين الدول العربية الفاعلة التي تشتت موقفها في السنوات السبع السابقة ازاء الاشتباك الدامي في كل بلد عربي من بلاد المشرق العربي وليبيا، فمن غير المنطقي ان يستمر وضع العلاقات المصرية السورية في برود ولا يمكن ان يظل المقعد السوري شاغرا ولا يمكن تصور ان يظل بعض حكام العرب مصرين على تدمير سورية والعراق واليمن وايا كان الامر فان مصالحات عربية ستسهم بلا شك في ملء فراغ مذهل في الساحة ويمكنها ضمن توازنات اقليمية من التقدم لوضع تصورات لحلول واقعية تخص القضايا الاقليمية بصيغة عربية مفيدة للجميع.. ولا يمكن اعتبار ان التقارب العربي- العربي والتصالح العربي سيكون لصالح العدو الامريكي ومصوبا ضد ايران كما يعتقد البعض، ولا يمكن ان يكون بتوجيه من ترمب وخادما لاستراتيجيته كما ذهب البعض الى القول.. ان أي توافق عربي يضم مراكز الفعل العربي لا يمكن ان يكون الا لصالح العرب وضد مصالح الاجانب لان الضعف الذي يكون عليه النظام العربي يتولد نتيجة التوجس الداخلي والقلق الناتج عن الشعور بالوحدة وتفرد الخصوم به.. من هنا تصبح أية خطوة للتقارب العربي- العربي تصب في محصلة ازاحة التوترات وانشاء مناخ صحي لمعالجات ضرورية لواقعنا.
عندما تتم المصالحات العربية يصبح من غير الوارد خضوع النظام العربي لإملاءات امريكا بل نصبح اكثر قدرة على التقدم بمنطق واحد وخطاب واحد فيما يخص قضايانا المتفجرة في الاقليم.. فلا يمكن لاحد في الاقليم ان يستغني عن المجموع العربي او عن مراكز الفعل العربي لانه حينذاك سيجد نفسه اما محاصرا او محاربا او مخترقا.. ومن الواضح ان كل مشكلاتنا المتفجرة في المنطقة قد تمت في ظل تصارع داخل النظام العربي وانشقاقات مدمرة.
حتى الآن لا توجد ضغوط أمريكية واضحة منتظمة على المنطقة من جهة السيناريو فلا زال الرئيس الأمريكي وطاقمه في مرحلة التجريب والترتيب وفي هذه المرحلة يكون مهم ان يتقدم العرب بصيغة واضحة واحدة لحل مشكلاتهم تقوم على روح التوافق.
قد يكون هذا الكلام مجرد أماني و أوهام ويذهب البعض بان الأمريكان وليس ترمب لهم عملهم الدءوب في بناء تحالفات و أوضاع ويغرون بعض العرب ببعضهم وهم يملكون أوراق ضغط على كل طرف لجعله في مرحلة ما يلتقي بمشروعهم هنا او هناك.. وعندما يعتقد كثيرون ذلك فإنهم يستندون الى تاريخ من الأداء العربي السلبي تجاه قضيتهم الجوهرية فلسطين فلقد أضاعوا فرصا كثيرة كان من الممكن ان تصبح رافعة لخطوات حقيقية في حل القضية التي تراكمت مآسي ونكبات.
بين الرؤيتين المتفائلة أو الوهمية على حسب رأي البعض والواقعية المتشائمة كما يرى البعض الاخر تقف المصالح العربية معلقة على رأس مؤتمر القمة.. ولا مصلحة لأحد من المجتمعين في مؤتمر القمة في تكريس الانقسام والتشتت العربي لان الانقسام لا يتوقف عند حدود معينة بل هو يتهدد كل الاقطار ولا قدرة لأحد ان يكون بديلا عن العرب او ان يتحول العرب الى أداة حرب بالوكالة ضد قوى إقليمية اخرى بل هم من باب المصلحة الإستراتيجية مدعوين إلى بناء علاقات أكثر توازنا وجدية مع جوارهم الاسلامي تحفظ لهم وجودهم ودورهم الايجابي المركزي في المنطقة بل والعالم الإسلامي والعالم كله..
نقطة مهمة (لا بل مفصلية) أخرى، يجري التحضير لها للقمة، ويُعتقد أنّ هناك توافقاً عربياً أكبر حولها: علاقة النظام العربي الرسمي بإسرائيل. في الإعلام وفي البيان الختامي، المرجح أن تكرر الدول العربية موقفها المؤيّد لـ»حل الدولتين»، ولكن المطلوب هنا ليس فقط الوقوف عند حدود المبادرة العربية بل وتناول موضع الاستيطان وتهويد القدس و مستقبل القضية الفلسطينية جملة.
لا نعتقد ان تتجه قمة البحر الميت الى افرازات تعقد المشهد العربي فلقد تكلفت الحروب المشتعلة في المنطقة ثروات وارواح بشكل لم يسبق له مثيل ولقد سجل التاريخ اسوأ صفحة للعرب بان يكون مالهم وسلاحهم يذهب لقتل العرب وتدميرهم ولا اعتقد ابدا بوجود احتمال بان تصعيدا عربيا سيكون في الاقليم بل دعوة الى تفاهمات عميقة من باب الثقة بالنفس.
مؤتمر القمة العربية القادم قد يكون رقما اضافيا لمؤتمرات القمة السابقة هذا صحيح ولوجهة النظر هذه مبرراتها ولكن خصوصية الظرف الذي تمر به المنطقة والطن العربي يلح على الجميع من باب المصلحة القطرية بل والشخصية ان يتقوى الجميع ببعضهم البعض في مواجهة تحديات نتجت عن انفلات الاوضاع نهائيا في المنطقة بحيث اصبحت النيران قريبة من اقدام الجميع ولن يكون هناك احد بمنجاة منها.
العقل والمنطق والدين والقومية والمصلحة كل اولئك يدفعون الى مواقف عربية تحافظ على الحد الأدنى للخروج من ورطات معقدة تولدت في ظل التشكك والتصارع و عدم المسئولية.. وبهذا يقدم العرب للأمريكان والروس موقفا يملي عليهم ضرورة اخذ مصلحة العرب في الاعتبار وان لا امكانية لصناعة مستقبل العرب بدونهم فهل تدفع المصلحة والحاجة الضرورية المجتمعين في الاردن لاتخاذ ما ينبغي اتخاذه.. تولانا الله برحمته.