تاريخ النشر: 2022-01-31 | 07:04
تاريخ النشر: 2022-01-31 | 07:04
ان ثورة بحجم الثورة الإيرانية ودولة هي ايران بموقعها الجغرافي والتاريخي والسياسي تشغل الرأي العام الدولي وتستنفر القوى الإقليمية والدولية وتواجه التحديات الواحدة تلو الأخرى بصمود وعناد ومغالبة تدعونا بلا شك الى محاولة قراءة مستمرة ولكن بشرط ان لا يدفعنا الإعجاب الى فقدان العقل وأن لا يقودنا النقد الى فقدان الضمير.. فكم نحن نحتاج الى تقييم موضوعي لهذه التجربة الاستثنائية في تاريخنا الإسلامي.
من وحدة الامة الى تكوين المحور:
عندما انطلقت ثورة الخميني كانت عناوينها واضحة وهي ترسم خطا متميزا في الامة: الوحدة ونصرة المستضعفين والقدس والعدالة.. وذلك ضد التجزئة مهما كانت عناوينها عرقية او طائفية ونصرة المستضعفين وعدم الركون للذين ظلموا من الحكام والقوى الامبريالية ولقد كانت وحدة الأمة البارز الاكثر جلاء في خطاب الخميني، وكانت تقتضي التصدي لدعوات الطائفية والعرقية وشن حملة واسعة على الطائفيين الشيعة والسنة سواء. ولهذا كانت الحملة مسعورة ضده من قبل علماء الشيعة الحجتية والمتيبسين... وكانت دعوته للحكام العرب ان ابقوا في اماكنكم لا ننافسكم على شيء المهم ان نتوحد ضد الكيان الغاصب لاجتثاثه من أرض فلسطين.. كما كان رافضا استقبال اي من حكام الجور والجريمة وانحاز الى المستضعفين في كل مكان ورفض عدوان النظام السوري على طرابلس لبنان وهدده بان طرابلس مثلها مثل قم ورفض استقباله في طهران واعتبر السياسات الامبريالية الامريكية بمثابة سلوك شيطاني لا بد من التصدي له.. اما فلسطين فقد احيا له الشعائر واولها قطع علاقات ايران نهائيا مع الكيان الصهيوني ومنح الفلسطينيين سفارة لهم في مكان السفارة الإسرائيلية.. ودعا الى التجهز لتحريرها وكان موقفه منها ان لاوجود للغدة السرطانية فيها وان شعب فلسطين كله يعود لفلسطين كلها.. وذلك بدعم كل حالات المقاومة الفلسطينية بدءا من منظمة التحرير الفلسطينية وكل المجموعات الأخرى..
لكن هذه الشعارات وهذا المنهج وهذه الرؤية تبدلت شيئا فشيئا تحت وطأة الضغوط الخارجية والاحتياجات الداخلية فبدلا من وحدة الأمة حلت الدعوة الى وحدة الطائفة ورفع شعار البيت الشيعي في كل بلد عربي على أن تتجمع هذه البيوت في محور عاصمته طهران كما أطلق رحيم صفوي القائد في الحرس الثوري في ما يسمى محور المقاومة، وتم التشجيع على ذلك من أعلى مستويات الدولة الإيرانية وبدأ الجهد بتشكيل مليشيات عسكرية مدربة في كل بلد عربي يوجد فيه شيعة في اليمن ولبنان والعراق والبحرين وأفغانستان، وهكذا أصبح الجهد بدلا من التصدي للكيان الصهيوني تصديا للتكفيريين والمقصود بهم الرافضين للوجود الإيراني في المنطقة العربية والتحكم الشيعي الطائفي العميل في الدولة العربية وبذلت في ذلك الأموال والدماء، وبدلا من نصرة المستضعفين في الشعوب المنهكة تحول التمحور مع صف حكام الجور والقتلة ضد الشعوب المستضعفة لتتم أخطر عمليات التهجير للعرب السنة من بلدانهم.. بل وزاد الامر سوءا عندما وجدت الدولة الإيرانية نفسها في موقع المقدم للخدمات للأمريكان في أفغانستان والعراق كما صرح بذلك الشيخ رفسنجاني وكان المشهد العراقي فاقع الوضوح في مدى التعاون المباشر او غير المباشر بين الأمريكان و قوى المعارضة العراقية الشيعية التي تجد من طهران مقرا لها ودورها في خدمة الاحتلال الأمريكي للعراق ومن ثم تدمير الدولة العراقية وتمكين الإحتلال الأمريكي من بلد عربي مسلم عريق وتشتيته على طوائف وأعراق وتصفية علمائه وطياريه وقادته العسكريين.. بلا شك تشير الأصابع بالاتهام الى الإيرانيين في ادوار لا يمكن المرور عليها سريعا..
الأسباب المباشرة في التغيير:
كانت ثورة الخميني ثورة شعبية في المضامين والواقع فبدأت بالتصدي لمقولات شيعية راسخة مثل قضية الانتظار والتقية والطائفية فاتجه مباشرة الى رفض الانتظار على اعتبار انه اسوا من نسخ الإسلام ورفض التقية بمفهومها المعمم ودعا الى الجهر بالحق ورفض الطائفية على اعتبار انها من صنع الاستعمار فأدان الصفويين الشيعة وانحاز الى العثمانيين السنّة.. وعلى الصعيد السياسي حرر الإسلام من الارتهان الى الرؤية الغربية الاستعمارية التي شغلته ضد الكتلة الاشتراكية عشرات السنين، عندما أكد بان خصمه الحقيقي يتركز في السياسات الأمريكية اونها هي الشيطان الأكبر في المنطقة وأن عدوه المباشر هو الكيان الصهيوني رافضا أي معركة جانبية.
لم تكن أطروحة الخميني مجرد مقولات او شعارات انما هي قراءة فكرية وسياسية ضمنها هو ومجموعة الرواد الكبار كمطهري ومنتظري وشريعتي وصديقي وسواهم كتبا ودراسات ناضلوا عشرات السنين ليجعلوها رؤية واضحة محددة للرواد في الثورة ميزتهم عن الشيعة في كل مكان وكانت جسرا مهما وقويا لتوحيد الرؤى الإسلامية في الأمة كونها انفتحت على تجارب العمل الإسلامي والأفكار الإسلامية السنية في البلاد العربية.
الا ان منظومة الخميني الفكرية والبشرية أصيبت بعد وفاته بهزات عنيفة متلاحقة جراء عملية متراكبة من ضغط التدمير الجنوني المتمثل أولا: في الحرب المفروضة على ايران من قبل دول الخليج العربي التي دفعت العراق الى شن هجوم كاسح على الدولة الفتية التي تعيش فوضى الثورة وكان لهذه الحرب المجنونة والغبية دورا أساسيا في جر الثورة الى اخطر المعارك على الاطلاق والتي انهكتها وكبدتها خسائر فادحة وانعكس ذلك على رؤيتها ومشاعرها تجاه المنطقة وتجاه التحالفات فيها.. ثانيا: الحصار الدولي الذي رافق الثورة منذ ولادتها.. حصار طال كل شيء في محاولة لتأليب الرأي العام الشعبي ضد الحكومة الوليدة فما كان مسموحا خروج أي دولة في المنطقة عن سياق السياسة الامريكية التي كانت مدفوعة لشرعنة الوجود الصهيوني عربيا واسلاميا، وكان ذلك مرفوقا بعملية إعلامية عالمية تقوم بدور شيطنة للتجربة الإيرانية واختلاق روايات تشويه للنموذج الجديد.. ثالثا: الثورة المضادة التي استهدفت اغتيال قادة الثورة فلقد ذهب ضحية التفجيرات المتوالية عشرات القادة الاساسيين والكوادر المتقدمة للثورة.. ذهب مطهري وابن منتظري وبهشتي ورجائي وباهنوار وأعضاء البرلمان واخرون كثيرون مما أفقد الثورة جيل كبير من صناعها الايديولوجيين والسابقين في صناعة افكارها والمتشبعين بروحها.
كانت هذه الأسباب الأساسية في حدوث الاهتزاز في مضامين الثورة ومنهجها وأساليبها.. وفي عملية تحسس للمكن ولتخفيف أعباء الضغوط وقع الثوار في الحلول الوسط فعدلوا من الشعارات واستبدالها ووجدوا في ذلك استقبالا لدى فئات شعبية في البلدان العربية لاسيما لبنان والعراق اغراهم لمواصلة الدرب في منحى اخر وشيئا فشيئا من التنازل عن المبادئ الأساسية وجدوا أنفسهم لا يصطدمون مع الشيطان الأكبر وهو يحتل بلدا إسلاميا مقدسا مثل العراق بل يدفعون شيعتهم للتعاون معه للإجهاز على البلد وكبته ونهبه.
فوضى الأولويات:
دخلت سياسة الدولة الإيرانية حقل الغام لإحداث مزيد من الفوضى والاستنزاف.. لم تدرك أن نفح الروح في التجمعات الشيعية في البلدان العربية يثير الفتنة ويبعث روح الشقاق والتصادم التي لا تفقدها فقط اهليتها في قيادة مشروع نهضة الامة بل أيضا في احداث حالة استنفار قصوى ضدها من قبل قطاعات كثيرة وتحاصر بذلك اصدقاءها في المنطقة العربية من السنة الذين كانوا يرون فيها فرصة تاريخية في الإصلاح بين الشيعة والسنّة..
يظن البعض أن بعث الشيعة في المنطقة من شأنه تكوين أمة من الشيعة عاصمتها طهران تجد حضورا فاعلا لها.. للأسف هذا حساب خاطئ حتى على حساب المصلحة البراغماتية ورأينا خطأه في العراق فرغم وجود الأجواء الطائفية فان انصار ايران لم يحثلوا الا على النصيب المحدود من شيعة العراق فيما انحاز شيعة العراق في غالبيتهم مع سنة العراق ضد الوجود الإيراني، وضد التبعية لإيران، ومثال الحوثي المأساوي تجربة فاشلة بكل المعاني عندما يتم نصرة قبيلة طائفية لتتحكم في بلد عريق متجانس تاريخيا لتفرض عليه المذهب والولاء.. هنا وقعوا في خطأ مزدوج بأنهم أعطوا للخطوم مبررات وأدلة على منهج الطائفية الذي يسلكون، وعرضوا بذلك شيعة العرب الى أن يكونوا في موقع الريبة والشك بالولاء للأجنبي، ذلك لأن العرب والمسلمين لن يقبلوا تشتيت المسلمين والعرب على طوائف واجتهادات متناحرة ولن يقبلوا أن يحكموا من قبل طائفة وهذا سيقود المنطقة الى حروب داخلية وتنازعات محلية كما يحصل في لبنان والعراق واليمن.. وسيجد الطائفيون مبررات للتعاون مع الروس او الأمريكان ضد الطائفة الاخرى كما حصل في أكثر من مكان.
وكما تعاون الإيرانيون مع الامريكان في الملف الافغاني والملف العراقي فانهم اسرعوا للتعاون مع الروس في الملف السوري.. وهنا لابد من رؤية النتائج الرهيبة لهذين التدخلين المتمثلة في تهجير أكثر من 10 مليون عربي سنّي من العراق وسورية وقتل ما لا يقل عن 3 مليون عربي سني في العراق وسورية ولعل هناك في إيران من يدرك خطورة ذلك على العلاقات التاريخية بين العرب وايران أو بين الشيعة والسنة على اعتبار ان هذا عكس تيار الخميني ومنهجه ورؤيته للنهضة.. فلقد حشدت إيران في سورية كل الأحزاب والمنظمات الشيعية من أفغانستان حيث الفاطميين ومن العراق حيث حزب الله العراقي وعصائب الحق ومن لبنان حيث حزب الله اللبناني وأعداد كبيرة من مستشاري الحرس الثوري..
بمعنى واضح إن جبهة العدو تتسع أمامهم لتستغرقهم في المتاهة وأنهم للأسف بلعوا الطعم الخبيث ونجح أعداؤهم في جرهم خارج مسرح العمليات الحقيقية ضد العدو الصهيوني بمعنى انهم فقدوا صلاحية قيادة مشروع نهضة الامة ووحدتها فيما أصبحت همومهم الذاتية تزداد في رفع الحصار عنهم وتحقيق الاتفاق النووي وإنجاز التحالفات المصلحية بأي شكل كان وقد صدقت فيهم رؤية فضل الله عندما نصحهم ان ينحازوا الى الامة وان يبتعدوا عن روح الثأر.. فلم تعد القدس معركتهم ولا أولويتهم العملية - وهنا لا مجال للحديث عن النوايا- فهم يتحالفون ويتعاونون ويتشاركون مع الد أعداء القدس، ومع عواصم التطبيع، وأصبحت مقاربتهم السياسية بعيدا عن مبدأهم الأساس فلم يعد الحديث عن اقتلاع الغدة السرطانية بل اصبح هو: الموقف الذي يتبانه الفلسطينيون أو أن يكون الحل بانتخابات واسقاط النظام العنصري الصهيوني في فلسطين، وعمليا هم لم يعارضوا المبادرة العربية للسلام والتي أصبحت مبادرة إسلامية والتي تعترف بإسرائيل وتقبل ب20 بالمائة من ارض فلسطين، واقتصرت مساعدتهم للشعب الفلسطيني ورباطه في مواجهة الاستيطان والحصار على دعم محدود مدروس للمجموعات المقاتلة، ولم تعد الوحدة الإسلامية تعنيهم في شيء فهم ينتصرون لأرمينيا ضد أذربيجان وهم يسندون الأحزاب الشيعية ضد وحدة بلدانهم..
الموقف الوسط الشاهد:
ان فوضى السياسة الإيرانية نتج عن حجم الضغوطات الرهيبة خارجيا وداخليا وكانت استجابة ايران للضغوط انها هربت الى الامام ظانة انها بتبديل ادواتها ستحقق قوة ضغط على الحصار والمجتمع الدولي وعلى المنطقة فازدادت بذلك عزلة وحصارا، وهي الان قد استنفذت كل التعاطف العربي والقبول السني لها واصبح من الصعب الحديث عن كونها جزء من مشروع الامة ونهضتها ووحدتها، وهنا من الضروري تماما عدم اغفال ما يقوم به المناوئون بشيطنتها ورفضها حتى لو كانت في أنقى صورة وأسلم منهج.. لكنها باستبدال اداوتها وتعديل منهجها اعطتهم الفرصة لكي يحاصروا من يحاول شرحها بالعقل والمصلحة العامة للامة.
اننا نرفض ان يقوم اهل السنة في ايران بأي نزعات مذهبية وهم يزيدون عن ما نسبته 30 بالمائة من عدد السكان ورغم أنهم لا ينالون حقوقهم بالسوية، بل لا نجد أي مبرر لنزعات قومية في إيران رغم ان العرب في إقليم الأحواز يزيدون عن 14 مليون نسمة يتعرضون من حين الى آخر لقمع وتشتيت.. وندعوا السنّة والعرب في إيران الى التماسك مع ابناء وطنهم من كل الأعراق والمذاهب وحماية البلد من محاولات الأعداء لان التفتت لن يكون في مصلحة أحد، ونرى أن التوافق مع مكونات المجتمع دونما شقاق او تصادم هو النهج الاسلم والاصوب والمضاد لرغبة الأعداء.
وبنفس الدرجة فإننا لا نرى في تحريك المكونات الشيعية في بلداننا العربية الا صيغة صراع واولويات مضطربة ولم تعد بذلك فلسطين الا شعارا لا فاعلية له.. كما اننا نؤكد ان هذا المشروع مهما كانت مبرراته ومهما حاول اصحابه ايجاد مصوغات له لن يكون الا فشلا ذريعا ولن يصبح العراق ولا جزء منه ضمن هذا المشروع ولن تصبح سورية جزء من هذا المشروع ولا اليمن ولا لبنان فشيعة العرب جزء من شعبهم العربي وسيعودون متحررين من حواجزهم الطائفية
اننا ندعو الى ترتيب الاولويات وهذا لا يكون الا بالتحشيد من اجل قوة الأمة التي لا تكون الا برفع راية وحدتها وطمس كل الرايات وهذا يعني ضرورة وضع الامكانات من اجل هدف عليه الاجماع إلا وهو فلسطين وهكذا يبدو الانشغال عن فلسطين انما هو درب للفتنة والانشقاق والتصادم.
وعليه فإننا لا نرحب باي محور في الامة مهما كانت مبرراته ومسمياته ولا نحترم الا الجهود التي تجعل من نهضة الامة ووحدتها والقدس عناوين لها.. بجملة واضحة محددة اننا نرى ان المعارك الداخلية مهما كانت عناوينها انما هي طريق أمثل لتمكين اعدائنا من رقابنا.