تاريخ النشر: 2017-12-05 | 21:28
تاريخ النشر: 2017-12-05 | 21:28
مشهد يختصر الدرك الأسفل للحالة العربية، زعيم مضجر بدمائه يلقى في مؤخرة عربة كأنه صيد لحيوان بري، وقع في قبضة هواة صيد أطلق يدهم سيدهم بدلاً من الكلاب المُدربة.
مشهد كان نبوءة العقيد في مؤتمر الجامعة العربية 2008، وهو يرثي مصيره المحتوم في رثائه للزعيم العراقي صدام حسين، ولسان حاله يقول (أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض). مشهد لا يزيد من حد سخريته وآلامه إلا تلك الضحكات التي كانت تتعالى والعقيد القدافي يرثي بها مصيرهم قبل مصيره. مشهد يثبت أن من تصدر مشهد الزعامة في هذه الأمة المنكوبة هم مجموعة من المذهولين وعقول مشحونة بالتخلف والجهل، ونقص في الخيال السياسي والعقلي، وثبات على استراتيجية التناحر المسكونة بالأنانية وعقلية القبيلة. تاريخهم خصومة وحاضرهم يقول أنهم أتموا ركوب قطار الانزلاق المنحدر نحو القاع، أما المستقبل فقد حدده سعد الله ونوس قبل عقود في روايته " مغامرة رأس المملوك جابر".
لقد استغلت قضية فلسطين للتستر على هزال وضعف الأنظمة وفقدانها مشروعية الحكم، وخيانتها للعقد الاجتماعي المتفق عليه، للوصول إلى حالة من التوازن الديناميكي، بين توقعات وطموح المجتمع وقدرة هذه الدولة على الإيفاء بالتزاماتها وتوقعات المواطنين منها. فانصرفت الأنظمة للمحافظة على عقد آخر للمحافظة على حالة التوازن في العلاقة مع أعداء الأمة، واستسلمت للأمر الواقع واستسهلت مواصلة الحكم الفردي، الاستبدادي ومناورات الإعياء في إخضاع شعوبها، وتجاهلت دورها الحقيقي للنهضة والتطور وقيادة مجتمعاتها إلى بر الأمان. وبرز التنافس فيما بينها خفية تارة، وعلانية تارة أخرى بالتقرب من الأيدولوجية الكونية "المصطنعة" للولايات المتحدة الأمريكية، تحت مسمى محاربة الإرهاب. ومن حيث علموا أم لم يعلموا تشربوها حد الثمالة ليصدق عليهم قول الله "كالحمار يحمل أسفاره ".
والنتيجة أن الشعب العربي وورث وعياً استسلامياً ناجماً عن الهزيمة في كل مناحي الحياة. فأصبح وعاءً لكل المتناقضات والخلافات التي أطلقت غرائز الانتقام من عقالها وأنتجت براعة في هندسة التدمير الذاتي لكل شيء. ووقعنا تحت شقي رحى إن دارت يميناً طحنت وإن دارت شمالاً طحنت. بل والأخطر من ذلك اليوم هو محاولات غسل كل المسائل اللاأخلاقية، الفشل، الانهيار والدمار من خلال خطاب إعلامي يحرف البوصلة عن العدو الحقيقي للأمة، ويدغدغ الوجدان المتعب بآمال زائفة حول لعبة سلام صورية وعقيمة يسعون لتمرير فرضها على الفلسطينيين. والسؤال الرئيس ماذا لو قُدمت هذا التضحيات أو جزء منها باتجاه فلسطين؟ ماذا لو ُقدمت هذا المليارات العربية التي ضخت في تدمير سوريا، العراق، ليبيا، وتمزيق اليمن وقدفه إلى قرون العصور الوسطى تجاه التنمية، الصحة، التعليم، والبنى التحتية؟ ماذا لو اتبعنا أبسط النماذج في التنمية، أليست ماليزيا دولة مسلمة وآسيوية!.
إن الاستمرار في محاولات تلويث العقل وحقنه بالوعي الزائف بحرف البوصلة باتجاه صراع عدمي لا أصول له إلا في العقول الخربة لن يوقف هذا الجنون ولن يعيد شيء مما فقد. ربما لإيران أطماع وأحلام إمبراطورية وتوسعية.
ولكن تجاه البوصلة يعرفه الداني والقاصي، واللغة العنيفة التي يحملها الخطاب الرسمي حول إيران تحمل دلالات العجز والفشل وتجاوز الواقع... وها هي (الولايات المتحدة)، التي يقول المؤرخ اليهودي/ الأمريكي ناعوم تشومسكي بحقها: إن كل السجل الدبلوماسي للشرق الأوسط _باستثناء النسخة الأمريكية_ ألقي خارج التاريخ بغير رجعة، ستنقل سفارتها إلى مسرى نبيكم فماذا أنتم فاعلون!