انطلق قطار المصالحة منطلقاً من المقاطعة في الضفة الغربية, ومتجهاً صوب التكامل والتعايش على أسس الوطنية, بين شقي الوطن, تاركاً خلفه سنوات عجاف من الانقسام والتشرذم, والانقسام في الرؤية السياسية لكافة القضايا الوطنية, وانهاكات اجتماعية واقتصادية, وثقافة الاقصاء, وتاركاً خلفه كل من عارض ويعارض الوحدة, فالنية صوب الوحدة الوطنية صادقة, ولا مكان للمتسلقين.
لم يكن قرار إنهاء الانقسام بالأمر البسيط, فكان هناك العديد من الحيثيات والدوافع التي عجلت من التوصل إلى اتفاق المصالحة على أسس اتفاقية القاهرة لإنهاء الانقسام, وما هي إلا أيام حتى بدأت المشاورات والمباحثات للتوصل إلى نقاط تفاهم ومشتركة بين الجميع ليتم تفعيل ما تم الاتفاق عليه.
وتوالت الأسابيع, وانقضت الفترة التي تم الاعلان عنها لتشكيل الحكومة, وجاءت لحظة الحسم, وتم الاعلان وانهاء الانقسام بلا رجعة, وتم طي صفحة الانقسام المرير الذي دام سبعة سنوات, وبدأت مرحلة جديدة من العمل المحفوف بالصعاب, فالتركة كبيرة وثقيلة, مليئة بالآثار والمخلفات التي سببها الانقسام.
وهنا يجب الوقوف على بعض النقاط الأساسية التي يجب على الحكومة أن تأخذها بعين الاعتبار للمضي في الطريق الصحيح دون إعوجاج:
أولاً: العمل بشكل حثيث وسريع, وضمن توافق بين كافة الفصائل والأطر الفلسطينية لتنفيذ ما تم التوافق عليه والتوقيع عليه في اتفاقية القاهرة, من أجل الوصول إلى عقد الانتخابات الرئاسية والتشريعية.
ثانياً: ضرورة اشراك كافة الفصائل الفلسطينية والأطر ومؤسسات المجتمع المدني والشباب, في التشاور حول كافة القضايا التي خلفها الانقسام من أجل الوصول إلى نقاط تفاهم موحدة, قائمة على ما جاء به اتفاق القاهرة.
ثالثاً: في ظل الهجمة الشرسة التي تشنها حكومة الاحتلال الإسرائيلي, واستمرار العملية الاستيطانية, والضرب بعرض الحائط لكافة الاتفاقات والمعاهدات الدولية, والممارسات الهمجية ضد الأسرى الفلسطينيين, والدعوات لمقاطعة الحكومة, أن يتم وضع بدائل وآليات فعالة من أجل التصدي لتلك الهجمة, وتفعيل الجبهة السياسية والاعلامية والقانونية والشعبية, من أجل فضح ممارسات الاحتلال.
رابعاً: أن تسعى الحكومة جاهدة من أجل الانضمام للمزيد من الاتفاقات والمعاهدات الدولية, وتفعيل دور فلسطين في الاتفاقيات التي تم الانضمام لها.
خامساً: أن يكون هناك قناة اتصال دائمة بين الحكومة الفلسطينية والحكومات العربية كافة, لمعالجة كافة التداعيات التي ترتبت جراء الانقسام, وأخص هنا بالتواصل مع الحكومة المصرية وحكومات الدول الخليجية, وسوريا ولبنان.
سادساً: على الحكومة أن تسعى جاهدة من أجل إنهاء الحصار المفروض على قطاع غزة, والعمل بشكل سريع والتواصل مع القيادة المصرية من أجل فتح معبر رفح, كون أن اتفاق الوحدة قد تم وتم تشكيل الحكومة.
سابعاً: أن تقوم الحكومة بالنظر إلى ملف العاطلين عن العمل والخريجين, وتوفير فرص عمل وفق آلية معينة, تقوم على الكفاءة والمهنية والخبرة, ومحاولة فتح سوق العمل الخارجي, بمعنى أن يتم التواصل مع الدول العربية الشقيقة من أجل فتح السوق أمام قطاعات الخريجين لاستقطابهم من أجل التقليل من حجم البطالة.
ثامناً: أن يتم تطبيق قانون التقاعد المبكر بين صفوف الموظفين في المؤسسة المدنية والعسكرية, وإعطاء فرصة لأخرين لتولي وظائف.
تاسعاً: على كافة الوزراء التعامل مع كافة الموظفين وتحديداً موظفي قطاع غزة بالسواسية, دون التمييز بين الموظفين, على أساس الانتماء الحزبي, ونشر روح المحبة والوئام بين كافة الموظفين, مع التأكيد على التعامل مع كافة المراجعين ومشاكلهم بكل جدية وعدم تعطيل المعاملات.
عاشراً: أن يقوم كل وزير ضمن وزارته واختصاصه, بتفعيل مبدأ الكفاءة والمهنية والخبرة في تولي المناصب داخل هيكل الوزارة, ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب, كي تستقيم الأمور, وتتم الانتاجية وفق مهنية دقيقة.
أحد عشر: الثوابت الوطنية هي صمام الأمان لنجاح الحكومة, فعلى الحكومة أن تراعي ضمن عملها الحفاظ على الثوابت الوطنية, والعمل على تفعيل تلك الثوابت في كافة المحافل المحلية والاقليمية والدولية, وتسخير كافة أجهزة الحكومة وأفرعها في التأكيد على شرعية المطالب الوطنية وأن الحق لا يسقط بالتقادم.
الثاني عشر: على الحكومة أن تكرس مبدأ الشفافية والنزاهة في ادارتها للحكومة, أن تطلق الحريات العامة, كالتعبير عن الرأي, وتعزيز روح المشاركة والتعددية والعمل على تعزيز مبادئ الديمقراطية, والحق في مسائلة الحكومة وفق القانون, ومنع كافة اشكال الاعتقال السياسي, وتعزيز مراكز حقوق الانسان والمجتمع المدني, من أجل مشاركة سياسية واسعة في صنع القرار.
وأخيراً, إن مسيرة حكومة الوحدة الوطنية ليست بالأمر اليسير, فالطريق محفوف بالكثير من الصعاب والمخاطر, والتحديات كبيرة وجمة, فكما أشرت سابقاً التركة كبيرة وآثار الانقسام واضحة وبارزة وثقيلة, وهنا يجب على الشعب الفلسطيني والقوى السياسية والاجتماعية وكافة الأطر أن تقف جنباً إلى جنب مع الحكومة, وأن تساندها, وأن يكون سقف المطالب وفق الامكانيات المتاحة للحكومة.
سنوات سبع مضت, وفرقة وبغضاء حتما في طريقها للاندثار, وصوب القدس وتحرير الوطن انطلق القطار, ولا مجال ووقت للتوقف مرة أخرى, فهناك أولويات وتحديات تواجه القضية الفلسطينية, فكافة المتغيرات الاقليمية والدولية لا تخدم القضية الفلسطينية, فالواقع في سوريا وامكانية التقارب الغربي الإيراني, والانشغال التركي الداخلي, والخلافات الخليجية, والتغير الذي حدث في مصر الشقيقة, كلها تحديات تواجه القضية الفلسطينية, ولكن يجب أن نتفق بأن كافة الحكومات العربية تؤمن بعدالة القضية الفلسطينية وضرورة حلها وفق ما نصت عليه القرارات الدولية, والتي قد استندت عليها المبادرة العربية, لكن يتطلب أن تكون الرؤية الفلسطينية متفقة وواضحة وعلى أسس سليمة وقويمة من أجل جني الثمار ضمن اطار العمل العربي المشترك. وعليه فلا مجال لتعثر المصالحة, وعلى الجميع أن يعي الواقع جيداً, وأن يكرس كل طاقاته من أجل خدمة القضية الفلسطينية, أن يوفر كافة سبل الراحة للشعب الفلسطيني.
أحمد سمير القدرة