يتكرر المشهد فى المدينة المقدسة، يوما بعد يوم، من انتهاكات، واعتداءات، مستمرة من قبل المستوطنين، وشرطة الاحتلال، بحق ابناء شعبنا الفلسطينى، ولم تتوقف هذه الاعتداءات والانتهاكات عند حد معين؛ بل فاقت كل تصور فى جريمة هولوكوست القرن الواحد والعشرون، بحرق الشهيد الفتى محمد ابو خضير على أيدى حاخامات المستوطنين، انتهاء باستشهاد الشاب يوسف الرومنى شنقا، ليهب ابناء الشعب الفلسطينى للدفاع عن حقهم المسلوب، بممارسة نضالهم، ومقاومتهم للمحتل، واجراءاته القمعية، بكل الوسائل فى اطار حالة من الدفاع الشرعى عن النفس، والمقدسات، والاعراض، والارض، وكل ما يملكوا؛ لان حالة التضييق والخناق التى مارسها الاحتلال ومستوطنيها؛ لأجل النيل من عزيمة المواطن الفلسطينى، وجعله يترك ارضه ويغادر، لم تفلح ولم تؤتى ثمارها المرجوة، فى محاولات بائسة لتغير معالم المدينة، وطابعها الدينى والعربى، الامر الذى دفع الشباب الفلسطينى البطل للخروج عن صمته، ليلقن الاحتلال درساً جديداً فى النضال، والتضحية، والصمود، فى ظل حالة من الاجراءات والتدابير الامنية المعقدة، التى تتخذها شرطة الاحتلال فى المدينة المقدسة، فقاوم هؤلاء الابطال بأبسط الامكانات المتاحة، وابتدأت عمليات الرد على الجرائم الاحتلالية بالقدس، بعمليات الدهس، والطعن، وصولاً للعملية التى جرت فى الكنيس اليهودى، وثأرت للشهيد الفتى ابو خضير، والشهيد يوسف، وكل ابناء الشعب الفلسطينى، من قتلة الاطفال، والنساء، والشيوخ، ولكن لابد لنا من خلال مجموعة الاحداث والتراكمات، التى شهدتها المنطقة، والقضية الفلسطينية عامة، والقدس خاصة، الوقوف على بعض الحقائق، التى تحاول دويلة الاحتلال من خلالها خلط الاوراق، وقلب الطاولة؛ للهروب من ازمتها الداخلية، وعزلتها الدولية، فى ظل حالة من التناغم مع بعض الانتهازيين، الذين يسعون لمصالحهم الحزبية والخاصة، ومن هذه الحقائق التى بحاجة الى تحليل للكشف عن النوايا الصهيونية، لضرب الشعب الفلسطينى، ونظامه السياسى، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:
-التصريحات الصهيونية الصادرة عن اقطاب الحكومة اليمينية المتطرفة، المهاجمة للسيد الرئيس الفلسطينى محمود عباس فى كل مناسبة، بسبب او بدون، فتارة يدعون لحصاره، واخرى لاعتقاله، او ابعاده، وقتله، ووصفوه بالارهابى، فى محاولة لتأليب الرأي العام الدولى على شخصه، وهذا لم يأتي من فراغ؛ لان الاحتلال شعر بان الرئيس استطاع ان يضع دولته فى عزلة دولية، عندما كشف عن الوجه القبيح لهم امام المجتمع الدولى، وفضح ممارساتهم ،وتعامل بحنكة، وذكاء مع الملف الدولى، وحقق نجاحاً دبلوماسياً غير مسبوق، احرج الاحتلال، ومن يدافع عنه .
-توتير المنطقة وخاصة بالضفة الفلسطينية، والقدس، بعطاءات البناء الاستيطانى، والاقتحامات للاماكن الدينية فى القدس، والضفة من قبل وزراء، واعضاء كنيست، ورجال دين يهود، ومحاولة تدنيسها، و محاولة اقرار قوانين كالتقسيم المكانى، والزمانى للمسجد الاقصى؛ لأجل خلق حالة من التوتر، والاشتباكات فى المناطق الفلسطينية، والتذرع امام العالم بحماية المصلين اليهود .
-نقل حالة الاشتباك، والتوتر من القدس الى مناطق الضفة الفلسطينية، من خلال هجمات قطعان المستوطنين على المدن والبلدات الفلسطينية، ليكون هناك حالة من الغليان، وردة الفعل والثورة، والوصول الى حالة المواجهة، وهو ما تسعى اليه دولة الاحتلال؛ لأجل الانقضاض على المؤسسات الفلسطينية، وتدميرها، وهدم كل ما يتعلق بالنظام السياسى الفلسطينى فى الضفة الفلسطينية، على غرار عملية السور الواقى بالضفة الفلسطينية عام 2002 ، ومحاصرة القيادة، واعتقال المناضلين، وخلق حالة من الفلتان، والفوضى، مما يقوض اركان النظام السياسى ، ويدفعه للبحث عن حالة الترميم، والانشغال او اهمال الملف الدولى، الذى يزعج دولة الاحتلال وحكومتها.
-محاولة ارضاء الفئة الاكثر تطرفاً فى دولة الاحتلال، الا وهم المستوطنين، والمتدينين اليهود لغايات الائتلاف الحكومى، والانتخابات البرلمانية، على حساب الحق الفلسطينى، وفرص السلام فى المنطقة .
- محاولة تعزيز حالة الانفصال الجغرافى، والسياسى، بين المناطق الفلسطينية، وخاصة قطاع غزة عن الضفة الفلسطينية، والقدس؛ لأجل تمرير المخطط، الذى تتمنى بقاؤه حكومة الاحتلال، الا وهو الانقسام، والمنكافة السياسية، والاختلاف وكأن كل يعيش فى دولة منفصلة عن الاخرى.
بعد طرح مجموعة من المواقف، وليس كل المواقف، نجد ان دولة الاحتلال تحاول استغلال الاحداث، واشعال النار فى الهشيم، لضرب النظام السياسى الفلسطينى ممثل بشخص الرئيس محمود عباس، لذا نحن امام خيارات صعبة، تتطلب منا اعلاء المصلحة، وتفويت الفرصة على الاحتلال، حتى لا نحتضن كرة الثلج المتدحرجة، بل نعيدها الى احضان الاحتلال، ونفشل مخططاته، الامر الذى يعيه السيد الرئيس منذ اللحظة الاولى للصراع، لتخرج الرئاسة وتدين عملية قتل المدنيين من كلا الطرفين، مطالبة بحماية المقدسات الدينية، ووقف الاستفزازات، والاعتداءات المتكررة على ابناء شعبنا الفلسطينى، وترسل رسالة الى العالم اجمع، بان الشعب الفلسطينى يرفض قتل المدنيين أيا كانت جنسياتهم، او انتماءهم، او ديانتهم، فالعالم مطالب بالوقوف بجانب شعبنا، وادانة كل ما يتعرض له من اعتداءات، وجرائم ترتكب على أيدى الاحتلال، ومستوطنيه، ويسقط ما خطط له الاحتلال من مؤامرة تدميرية للنظام السياسى الفلسطينى، ويحافظ على ابناء شعبنا، ومقدراته، وانجازاته، وهنا فان من حق شعبنا ان يقاوم، ويفاوض، ويناضل، فى ان واحد لنيل حقوقه، ولكن ليس وفقا لرؤية وتوقيت الاحتلال، بل وفقا للمصلحة الوطنية العليا، وفى الوقت والزمان والمكان المناسب، لأننا نعيش فى اطار مجتمع دولى، لا نستطيع الانفصال عنه، وقضيتنا تمر بأخطر المنعطفات على الصعيد الدولى، والاقليمى، والداخلى، فنحن الان فى مواجهة الاحتلال فى الاروقة والمحافل الدولية، لاستصدار قرار ينهى هذا الاحتلال، والمنطقة تمر بمعضلة الارهاب، والبيت الداخلى لم يترتب حتى اللحظة، لذا لابد من تفويت الفرصة، وهذا لا يعنى بالا نرد على الاحتلال، وانتهاكاته، وعدوانه؛ لان من حق شعبنا المقاومة، والنضال، والتحدى فى كل زمان ومكان وصولا للحرية، والدولة المستقلة، لذا ان ارادت دولة الاحتلال ان تستقر الاوضاع بالقدس، وتهدا الاحوال، ويأمنوا على ارواحهم فعليهم الانسحاب من القدس الشرقية وتسلم مسئوليتها للرئيس ابو مازن وتعيد الحق لأصحابه.
فالقدس هى ارض الثورة والنضال فمنها تبدأ الحرب و منها يبدأ السلام