ربما أنها يقظة الأموات ، ربما أن استعادة الحياة والأرواح ، ربما أنه وقت إستجلاب الزمان وإسترجاع الماضي الطاهر النظيف والوطني بخلاصة الإخلاص والوفاء .
فلسطين وقطاعها الذي لا ولن ينفصل عنها مهما كانت الأسباب تعرف معنى هذه الكلمات ، فهم وحدهم من عاشوا اللاحياة وترعرعوا في سنوات الدماء ، وشربوا من ألام القهر والذل والإستبداد ، زادهم من الهواء وشحنات الفراغ وكأن ساعة زمان أهل الكهف توقفت عندهم ، سنوات يقترب عددها من الثمانية ، إن غزة الفلسطينية تشرب من خليط المشاكل والإختلافات والخلافات السياسية والإنسانية والإجتماعية والإقتصادية والنفسية ..إلخ ، سنوات نبت فيها جيل بأكمله لم يرى من النور بصيص يذهب به إلى أمل يطرق جدران أحلامه الصغيرة قبل الكبيرة .
إنهم الشباب الذين دفعوا زهرة أعمارهم ثمنا لعبث القيادات والمسئولين وهرولتهم وراء مصالحهم الشخصية والذاتية ، نعم دفعوا كل ثمن باهظ بصمت دون شكوى أو تذمر ، تركوا لقياداتهم أن تقودهم كالقطيع دون أن يتفوهوا بكلمة واحدة ، أما عندما بدأوا يتحدثون ويتسألون عن الأسباب التي أنتجت تراكم المآسي والكوارث تركوهم ورحلوا دون أن يمنحوهم ولو نظرة إهتمام وإعتناء ، بل لم يستمعوا لهم أو يتنازلوا للنظر إلى مشاكلهم ، بل بقيت طيلة السنوات الأخيرة مسكنات القيادة هي الدواء الموهوم ترتفع أسهمها حينا وتنخفض أحيانا في وطننا الحبيب .
اليوم بعد أن أغلقت كل المنافذ أمامهم ، قرر جيل فلسطين من الشباب ، أبناء الياسر العمار أن لا خيار إلا أن يُفرض على الكل القيادي والمسئول الفلسطيني سماع صوتهم والإصغاء لنداءاتهم الصادقة ، وأن يكسروا جدران الصمت التي يختبئ خلفها من يتحكم ويستحكم في مصائر المواطنين والوطن بعدما شعر هذا الجيل أن الخطر أصبح أشد وأقسى وتهون أمامه أثقال المعاناة الشخصية لأنه أصبح يمس مصير ومستقبل الوطن الفلسطيني ككل .
شباب فلسطين في قطاع غزة ، هم الجيل الذي خرج إلى دنياه معمدا باللون الأحمر للدم ، ولتكبر معاناته على أفق مسدود من كافة النواحي فلا عمل يجده ولا سفر يستطيعه ، وحروب ثلاثة يعيشها خلال خمسة سنوات ، علاج مفقود وتعليم لا منه ولا عليه صار عبئا في زمن ليس زمانه بعد أن طال الإنقلاب كل المعايير ، رواتب الموظفين مهددة بالخطرالداخلي والخارجي في أي لحظة بلا أمان ، وإعمار الوطن مرهون ومرتهن بنزوات ومزاجيات القيادة أي قيادة لا فرق بين شعاراتها وأسمائها ، فقر دوائره تتسع ويرتفع مستواه إلى حد كبير دون توقف ، فلا غرابة أن سكان المقابر في إزدياد وأطفال الشوارع يتكاثرون مثل الفطر، عوائل كاملة تعيش في المدارس والشوارع تنتظر الوعد الذي لم يأت وإسمه إعادة الإعمار..إلخ أما الأحزاب وصراعات أبنائها فحدث ولا حرج ، الوطن والقضية الفلسطينية الأساسية بات الحديث فيها على الهامش إن كان الأمر ضروريا أو متلفزا .
29 نيسان ، هذا اليوم الذي يتوجب على الجميع أن يشارك به ، هذا التاريخ هو يوم على طريق تقرير مصير شعب بأكمله ، فيه دعوة شبابية خالصة لا تحتاج سوى لمشاركة الكل الفلسطيني والنزول إلى الشوارع والمساهمة في إعلاء أصواتهم ، فلا حمساوي بخير ولا فتحاوي يعيش براحة الكل الفلسطيني يدفع ضريبة غباء واستغباء قيادات وتعنتهم .
ولذلك على الجميع أن يكون فلسطينيا وينزع القناع الحزبي عن وجهه ولو لمرة واحدة ، فلسطين تبكي على حالها ، حاول أن تتخلص من حزبيتك ، وأن تأخذ بيد الشباب لتساعدهم على البحث عن بصيص الأمل في زحمة السواد والإنقسام ، فهذا الشاب هو ابنك وأخوك وخالك وعمك ..هو من يستطيع أن يبني لك عكازا تتوكأ عليه عند شيخوختك .
فلتخرجوا من قبوركم ، وتتخلصوا من أكفانكم المؤقتة، وتنفضوا التراب عن جثثكم ، اطرحوا القيود عن عقولكم ، ابحثوا عن الحياة ، باستطاعتكم أن تحققوا حلم الفلسطيني الأول بفلسطين الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية ، هيا معا نستعيد إنسانيتنا وثقافتنا الوطنية ، بالفعل والعمل والتكافل والتكامل ، الآن الآن وإلا فلا، لنصنع الحياة بوحدتنا حتى إن لم تنالها اليوم فهي لغيرك غدا .