ليس غريبا ان تتفاجأ الجماهير العادية بحدث هنا او تغيير عاصف هناك، ولكن المصيبة بل الطامة الكبرى أن يكون المتفاجئ اكثر من غيره هو السياسي المحترف او المحلل السياسي، والمثير ان تستمر حالة الدهشة وفغر الفاه امام المتغير ، حتى اصبحت القاعدة هي الدهشة التي لا تليق لغير الروائي والبعد الطفولي للاجيال.
ومصدر الدهشة غالبا ما يكون عدم الادراك والفهم والمعرفة المسبقة لتطورات امر ما، لرومانسية تعتري الروائي او جهل يحيك بالطفل..او تغييب للعقل كما يحدث مع السياسيين المندهشون، كالدهشة الجماعية التي تصيب جماعة الاخوان ،عوامهم ونخبهم، دعاتهم و عداتهم، ازاء ما يجري في بر مصر من مناهضة لحكم جماعة تعتقد انها ظل الله على الارض.
وفي حديثنا عن المندهشين في الساحة الفلسطينية، سنجد سياسيا مخضرما (كما يحلو له ان يطلق عليه)ومفاوضا اكبر من كل المفاوضين ،يندهش في كل يوم من استمرار العدوان الاسرائيلي، ويستغرب الدعم الاميركي لاسرائيل،ثم ليذهب للنوم مستغربا غروب الشمس لأن كيري وعد بالنهار المستمر.
وفي الشق الاخر من الثقافة السياسية الجديدة نجد المستغربون من الاسلامويين لم يقرأوا التجربة السالفة فيما سلف من حكم السلف، حين اختطف الغدر ثلاثة من اصل اربعة من خلفاء الرشد والرشاد رضي الله عنهم، بل اكتفوا بالقاء التهم على مخابرات المجوس والصليبيين ، وكأن روح القرن الاول تسكن جسد القرن الخامس عشر للهجرة،.
لقد قتل خلفاء الرشد والرشاد من جماعات اورثت ثقافتها العصبوية النتنة مستبدلة قبائلها مهدورة العزة ، بمسميات دينية براقة تفتك في جسد شعوب الامة، وتستلظي نارها لتحرق الاخضر واليابس ، انتقاما من الدين الذي كشف عورات القبائل والتعصب اولا، فاستعانت بالدين للفتك بالدين وجندت الرواة والضلالات لتستبدل ايات الله بها،
فقد تعرضت بلاد مثل سوريا لغزوات المغول والترك والفرنجة قرونا لم يقتل فيها ما قتله دعاة الخلافة ومدعوا الاسلام، وقد ثارت اهل مصر في وجه الغزاة ،ولم يحدث ان حشد الشعب المصري المسلم غالبا جموعا تطالب بسقوط من يدعون الدين بقدر من حشدهم لاسقاط اول حكم لجماعة اسلاموية.
كان الاعراب هم قتلة الخلفاء بعد ان لبسوا عباءة الاسلام باعتبارها (بعير طروادة) الذي سيمكنهم في الارض والحكم في ربيع صحراوي مجدب ، ليتبعه تسلط قبيلة على قبيلة وصولا الى انقلاب الابن على اباه كما تدول السلطة في قطر .
ونحن في فلسطين محاصرون بين وطنجي واسلامجي اتخذا الشعب ركوبة للجاه والسلطة ، واقتسموا نفوذا منقوصا وجغرافيا منقوصة بانتظار التهام احدهما للاخر،
ولكل هذا الطوفان من الرذيلة السياسية ساسة ودعاة ومشايخ يفتون بصلاح فئة وتكفير اخرى حتى تبادلوا التكفير والتخوين ..وكانوا لاول مرة صادقين.. وان اندهشوا من رفض امة مسلمة لدعاوى اسلامجية، ورفض الوطن لشعارات باتت ممجوجة.
ان من لا يعرفون هذه الشعوب ، ولا ينتمون اليها لا يمكن لهم الوصول لحقيقة انهم اعدائها ، وان رفعوا عقيرتهم عن الوطن او دعوة للصلاة .