تاريخ النشر: 2015-12-12 | 09:49
تاريخ النشر: 2015-12-12 | 09:49
منذ أن حلت مواقع التواصل الاجتماعي وبات تقريبا لكل مواطن في المعمورة حساباً في إحداها على اختلافها، وتغير شكل العلاقات وبدأت تتحول من الواقعية إلى الافتراضية وهو تحول عكسي إلى حدٍ
ما، لسنا نُنْكر الدور المهم والفاعل الذي تؤديه هذه المواقع على الصعيد الاجتماعي وخاصةً تقريبها للمسافات بين الكرة الأرضية التي أصبحت بفضل الشبكة العنكبوتية قرية صغيرة، يتواصل فيها الناس من أقصى شمالها مع سكان أقصى جنوبها، ولسنا نلغي عنها بعض المهام التي تشغلها مثل الدعاية والإعلان والإعلام والإخبار أحيانا كما التسلية والترفيه غالياً، وهي الأدوار التي تؤديها وسائل الاتصال التقليدية بفروعها الثلاثة المطبوع والمرئي والمسموع، الأمر الذي دفع بالدارسين والباحثين في علوم الاتصال والإعلام بتصنيف هذه المواقع ضمن "الإعلام الجديد".
امتدت تلك الأدوار لمواقع التواصل الاجتماعي لتكون الأخيرة أدوات في أيدي الناشطين السياسيين للهرب من رقابة السلطات على أنشطتهم ومكاتبهم وذلك من خلال التوجه إلى عمل المدونات والمواقع الكترونية التي يروجون فيها لأنشطتهم وسياساتهم وأفكارهم المتعارضة غالبا مع الأنظمة القائمة.
وبما تقدم.. فإن لتك المواقع أدواراً وأغراضاً كثيرةً اجتماعية وإعلامية وسياسية وتسويقية ترويجية لمنتجات سلعية وفكرية، لكن ما أريد استعراضه في مقالتي هذه هو الوضع المجتمعي والعلاقات الإنسانية التي حولت من الواقعية إلى الافتراضية مع من نعرفهم وبين الأصدقاء الالكترونيين، فترى الهواتف الذكية المرتبطة بالانترنت هي أهم ما يملكه المواطن اليوم ولا يمكنه الاستغناء عنه حتى في الجلسات العائلية أو الرسمية، وحتى عند الالتقاء مع الأصدقاء خارج المنازل وفي المقاهي تجمعهم طاولة واحد وعوالم مختلفة لكل منهم، وأول وأهم سؤال يُطرح عند دخول المنازل والمقاهي هو: ما هي كلمة السر الخاصة بالانترنت؟
ربما يعود ذلك إلى عدة أسباب منها الفراغ الاجتماعي والفلس السياسي والإحباط من الأوضاع في الوطن العربي وعدم الثقة بين المواطنين ودولهم وخاصة فيما يخص تكافؤ الفرص في العمل والتعليم والخدمات الصحية والعامة، وربما للبطالة النصيب الأكبر وهي لا تتعلق فقط بمن لا عمل لهم، بل أيضا لمن يعملون ويتقاضون رواتب دون أداء مهام، ولا يمكن تجاهُل موضوع "الرقابة" حيث تفتقد دول العالم العربي إلى "حرية التعبير" والحريات السياسية بشكل عام، ولأن قيود تفرض على من يتحدث خارج نطاق ما تسمحه الأنظمة والدول فذهب المواطنون إلى فضاءات الانترنت ليغردوا وينشروا ما يجول في خواطرهم.
أتاحت هذه المواقع المجال أمام بعض الحريات في التعبير والنشر خاصةً أن الفرصةَ متاحةٌ أمام التعبير بأسماء وهمية وألقاب بعيدة عن أصحابها الحقيقيين كل البعد.
النتيجة السلبية اليوم لعالم تكنولوجيا الاتصال المرتبط بمواقع التواصل الاجتماعي هو الهرب من الواقع إلى العوالم الافتراضية، واستبدال العلاقات الحقيقية أيضا بعلاقات افتراضية مما أدى إلى العُزلة الاجتماعية لدى الكثيرين، وإلى التفكك الأسري حيث قلت الأحاديث العائلية والمشاركات الوجدانية والاجتماعية مع جيراننا وأصحابنا ومن يحيطون بنا، فأصبحت التعازي كما التهاني كلها عبر "الفيسبوك"، والتفاعل مع ما يجري في العالم أصبح من خلال تعليق على فيديو في "يوتيوب"، أما إن أردنا التعبير عن أمر مستعجل فنُغرد في توتير، وهكذا أصبحت العلاقات الإنسانية مهددة بالخطر، كما أن الطفولة أصبحت مسلوبة من أطفالنا الذين استبدلوا اللعب مع أبناء جيلهم بالألعاب عبر الهواتف الذكية التي تحد من ذكائهم وذكاء الإنسان بشكل عام فهي تدله عبر خطوات كيف يتصرف و لاتدع له مجالا للتفكير، ناهيك عن العلاقات بين الأزواج والمشاكل التي تفاقمت عبر الغيرة والمقارنات بين النساء والأزواج وما يشترينه وما يقولنه عبر تلك المواقع من جهة، ومن جهة أخرى "الصداقات الالكترونية المشبوهة" للمتزوجين، ولا يمكننا غض البصر عن أمر مهم بالنسبة للإنسان ألا وهو موضوع "الخصوصية" التي أصبحت عرضةً للانتهاك وللاختراق خاصةً في ظل عدم إتقان مهارات الاستخدام لها، كما أن هناك نتائج صحية سلبية أيضا مثل السمنة وآلام المفاصل والتأثير على النظر وغيرها.
ربما تطرقنا باختصار إلى بعض الأسباب وبعض النتائج دونما وضع حلول، وهو ما يحتاج إلى دراسات وأبحاث من قبل المختصين بعلمي الاجتماع والنفس كما والتربويين أيضا، لكني استطيع توجيه نداء إلى الكل بأن يراقب وقته، وليخصص من يومه ساعة أو اثنتين لتلك المواقع، وأن يجتهد الآباء والأمهات في تنيظم حياة أطفالهم بين التربية والدراسة والترفيه وليكن ترفيههم في الخروج إلى الطبيعة والاستمتاع بها، وباللعب مع الأطفال وبالجري وممارسة الرياضة، ولنحتفظ باحترامنا لبعضنا البعض كبشر وأن نترك هواتفنا الذكية عندما نلتقي ببعضنا البعض، وأيضا النداء موجه إلى الحكومات في مساعدة مواطنيها وتوفير سبل العيش الكريم لهم الذي سيجعلهم يعيشون في الواقع ويعملون على تطوير مجتمعاتهم بمحبة وانتماء لا الهرب منها إلى العوالم الافتراضية.