خلافاً لكل التوقعات جاء صرف رواتب موظفين الحكومة العموميين لشهر ابريل من هذا العام 2017، بخصومات وصلت لحوالي 30% من اجمالي الراتب، وما أثار الاستغراب الكبير التبرير المخالف للحقائق الذي صرح به المتحدث الرسمي باسم الحكومة يوسف المحمود الذي اعتبر أن الخصومات على رواتب الموظفين طالت العلاوات فقط، وجزءاً من علاوة طبيعة العمل دون المساس بالراتب الأساسي، وذلك لأسباب تتعلق بالحصار المالي الخانق، إضافة إلى انعكاسات آثار الانقسام وحصار وإجراءات الاحتلال، والضغوط التي تُمارس على القيادة الفلسطينية ومنها الضغوط المالية المتمثّلة بانخفاض وتقليص مستوى الدعم الخارجي إلى مايفوق 70 بالمئة عن معدلاته عبر السنوات الماضية أجبر الحكومة على اتخاذ مثل هذه الخطوة من أجل ضمان استمرارية دفع فاتورة الرواتب، وأعتبر أن هذه الخطوة نصت عليها أجندة السياسات الوطنية في أمر معالجة الصعوبات المالية.
وكوني متابع لتطورات المالية العامة ، التي أشارت معظم التقارير المالية والاقتصادية الصادرة عن الجهات الرسمية والحكومية الى تحسن ملحوظ في جانب الايرادات العامة والمنح خلال الفترة السابقة فقد أشار تقرير سلطة النقد للربع الرابع لسنة 2016 حول تطورات المالية العامة والدين العام الحكومي الى تحسن ملحوظ في جانب الايرادات العامة والمنح خلال هذه الفترة وهذا يعود لثلاثة أسباب
- تحسن ايرادات المقاصة، حيث تم تحويل 580 مليون شيكل من الجانب الاسرائيلي من متأخرات المقاصة الخاصة بقطاع غزة.
- ارتفاع الايرادات غير الضريبية بشكل ملحوظ خلال هذا العام، نتيجة توقيع اتفاقية الكهرباء مع الجانب الاسرائيلي، تم بموجبها تحويل ما يقارب 593 مليون شيكل لخزينة وزارة المالية خلال الشهر نفسه
- تجديد رخصة شركة الاتصالات وجوال التي تم بموجبها تحويل مبلغ 558 مليون شيكل لحساب وزارة المالية
هناك ارتفاع ملحوظ في الايرادات المحلية( ايرادات المقاصة والضريبة) خلال الربع الاخير، الى تحقيق فائض في الحساب الجاري بقيمة 82.6 مليون شيكل.
ورغم أن هناك توجها لدى الدول المانحة لتخفيض حجم المساعدات المقدمة للحكومة الفلسطينية ، الا أن المنح والمساعدات الخارجية خلال عام 2016 بلغت حوالي 2.9 مليار شيكل ، وفي الربع الاخير حوالي 805.9مليون شيكل ،شكلت حوالي 20.4% من اجمالي الايرادات العامة والمنح خلال هذا الربع، بل انها ساهمت في تغطية حوالي 27.5% من النفقات الجارية، بل أنها ساهمت في تحويل العجز في الرصيد الكلي الى فائض بحوالي 581.9 مليون شيكل مانسبته 4.5% من الناتج المحلي الاجمالي
مع العلم أن الانفاق العام الفعلي خلال الربع الرابع من العام 2016 انخفض بنحو 7.2%، ويعزى هذا التراجع بشكل رئيسي الى تراجع الانفاق على الاجور والرواتب ، حيث انخفض الانفاق الفعلي على بند الاجور والرواتب بنحو 32.5%.
أما الانفاق التطويري الفعلي فقد ارتفع بنحو 79.6%، ليبلغ 306.6 مليون شيكل ، ومن المفترض أن هذا الانفاق يسهم على المدي المتوسط والبعيد في تنشيط الاقتصاد وتحفيز التنمية الا أنه يلاحظ أن معظم الانفاق هو استهلاكي وليس استثماري، وهذا يدل على وجود خلل هيكيلي مزمن في توزيع الانفاق،
أما الدين العام الحكومي( مقوماً بالدولار) فقد انخفض بنسبة 2.7% ليبلغ 2483.8 مليون دولار
أمام هذه النسب والأرقام لا أرى أن الحكومة عاجزة عن دفع فاتورة رواتب موظفين غزة التي لا تتجاوز مبلغ الـ 50 مليون دولار، يذهب نصفها تماما لسداد الأقساط الشهرية عن التسهيلات المصرفية التي يغرق بها غالبية موظفين غزة، وما تبقى لا يكاد يروى ضمأ السوق الفلسطيني المتعطش للسيولة النقدية، والتي بدأت قطاعاته تصاب بشلل شبه تام القى بظلاله الواضحه على كل مناحي الحياة، ورغم يقيني أن هذه الخطوة لا تختلف عن سابقاتها من الخطوات التي قادت الوضع الاقتصادي بغزة الى حافة الانهيار ، وقادت المجتمع الفلسطيني الى مزيد من الحرمان، ولا تخرج عن كونها جاءت في اطار التخلص التدريجي من غزة بكل مكوناتها ممن قبلوا على أنفسهم أن يحتكموا للجغرافيا.
الباحث الاقتصادي