تاريخ النشر: 2018-08-28 | 11:24
تاريخ النشر: 2018-08-28 | 11:24
سببان جعلانى أتشاءل (أى أتشاءم وأتفاءل) يوم الثلاثاء الماضى، الأول: إعلان ترامب بأنه من الممكن أن يكون الرئيس القادم لوزراء إسرائيل اسمه محمد، يكمن التشاؤم من عدم الثقة فى كلام ترامب ولا فى تغريداته، وقوله خصوصا لملك الأردن عبدالله الثانى إن رئيس وزراء إسرائيل القادم سيكون اسمه محمد بشرط اكتفاء إسرائيل بالحصول على القدس عاصمة لها وتسوية القضية الفلسطينية على أساس حل الدولة الواحدة ثنائية القومية!. واعتبرتُ تصريح ترامب خدعة جديدة للفلسطينيين ـ بعد أن خدعَنا سلفه بوش بخريطة الطريق عقب احتلال العراق عام 2003 ـ ومحاولة لإغراء العرب بالانتخابات التى جرت فى جنوب إفريقيا عام 1994 وخروج نيلسون مانديلا من السجن بعد 20 عاما إلى رئاسة الدولة لتنهى الحروب الأهلية وسياسات الفصل العنصرى بين البيض والسود، ولا خلاف على أن ترامب «يتجمل» بالمقاربة بين جنوب إفريقيا وفلسطين المحتلة لتحويل الأنظار عن الفضائح التى تحاصره وجعلت عرشه فى مهب الريح؛ فلو كان جادا فى تنفيذ «صفقته» لأرجأ قرار نقل سفارة بلاده إلى القدس لما بعد اعترافه بها عاصمة لدولة ديمقراطية ثنائية القومية، وليكن اسمها «إسراطين» كما اقترح الرئيس القذافى ووافق عرفات منذ سنوات؟.. لكن اقتراح ترامب مجرد «صفقة»؛ فكل شئ فى نظره يباع ويشترى فإسرائيل ينبغى أن «تدفع» مقابل نقل السفارة للقدس واعترافه بها عاصمة للدولة اليهودية، والفلسطينيون ينبغى أن «يدفعوا» حلم الدولة المستقلة والقدس الشرقية مقابل حصولهم على «أمر جيد» لم يسمه ترامب!.
أما سر تفاؤلى فيكمن فى الهدية التى وصلتنى وهى كتاب الأستاذ رجب البنا الجديد الذى يحمل عنوان «لماذا تخلف المسلمون؟».. الصادر عن المكتبة الأكاديمية، يواجهنا فيه بتشخيص أكثر من 20 مفكرا وعالما وفيلسوفا لأوجاعنا الثقافية والاجتماعية والفقهية، الكتاب خطة عمل حضارية يجب أن تلتزم بتنفيذها أقرب قمة إسلامية وعربية لو كنا جادين فى تحويل الإسلام من خانة فى بطاقات هويتنا، إلى قوة تؤهلنا لانتزاع حقوقنا واعتراف العالم بوجودنا، وجدارتنا أن نكون مسلمين حقا. وانتقى منه آراء: خالد محمد خالد يرى أن أولى خطوات النجاة هى توفير جو الحرية والإرادة السياسية ودعمها لتغيير المناخ السائد فى المجتمعات الإسلامية وعدم الاستجابة لمحاولات تشتيت انتباهنا بعيداعن الطريق الذى جربته دولة مثل ماليزيا، وحققت النهضة بالتفوق الاقتصادى والعلمى والتكنولوجى، أما الخطوة الثانية فهى تشغيل «الرئة المعطلة» وهى المرأة تصديقا لقول الرسول الكريم النساء شقائق الرجال وإلغاء خانة النوع من البطاقة دون الالتفات للاتهامات بالخروج عن الملة والدين التى عطلتنا مائة سنة منذ حاول محمد على تعليم المرأة مهنة التوليد فاعترض رجال الدين فاضطر لشراء جوارٍ من الخارج ليتعلمن الولادة بإشراف «كلوت بيك» قبل أن تنجح المرأة كطبيبة ومديرة ووزيرة!. وثالث الوصفات هى الحرية بكل معانيها من تحرير العقل إلى الحرية الدينية و«من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر» حتى لمن يرتد عن دين الله، كما قال الشيخ محمود شلتوت فى كتابه الإسلام عقيدة وشريعة، فالكفر ليس مبيحا للدم لكن المبيح للدم هو محاربة المسلمين والعدوان عليهم، وإلغاء فكرة الحكومة الدينية التى فشلت وصارت نوعا من التسلط باسم الدين، والرسول نفسه لم يكن رئيس حكومة لدولة إسلامية لكنه كان رحمة مهداة يمارس النبوة لا الملك، فمقام الرسالة أرفع من الحكومة، أما فى شأن الدنيا فيكفى أنه عندما أشار بعدم تلقيح النخل فنفذوا كلامه فكسد المحصول فأرسى مبدأ «أنتم أعلم بشئون دنياكم» ، ويعرض الكتاب رؤية د. مصطفى الفقى حول مقولة «أنا الدولة والدولة أنا» التى تصيب أى مؤسسة بالشلل، ونجاح الإصلاح الدينى والسياسى والاجتماعى مرهون بقوة الدولة وصيانة كرامة المواطن، ويضرب رجب البنا مثلا على إصابتنا بالجمود والشلل بمؤتمر عن معجزات العلم عقد فى إحدى الدول الإسلامية حضره مئات العلماء من كل أنحاء العالم فى كل التخصصات انتهى إلى توصية بعدم حاجتنا إلى قواعد علمية أو بحث علمى جديد بعد أن ثبت أن الكتاب والسنة فيهما كل العلوم والنظريات، فبقينا محلك سر وبقى التخلف على حاله!
ويتصدى المؤلف لدعوات المتشددين الخادعة بالعودة إلى العصر الذهبى للإسلام واتهام كل صاحب رؤية عصرية بالكفر والفرنَجَة والتغريب ودعواتهم بالجمود فى انتظار «عودة الماضى»، ولا يعلم هؤلاء المتطرفون بأن التقدم حق لكل منفتح على الحضارة العصرية، وأن المسلمين فى عصور نهضتهم كانوا يأخذون من كل الثقافات ويتسامحون مع كل الديانات فصارت لهم قيادة العالم ! ولو طبق المسلمون روشتة رجب البنا حتما سيكون سيد العالم والرئيس القادم لإسرائيل اسمه محمد أو فاطمة أو أبواللطف، بشرط أن تلحق الدول العربية والإسلامية بعصرها وتمتلك أدوات الضغط وتفرض إرادتها على صفقات ترامب وغيره بمنطق عصر القوة!