محمد أكبرهم يصطفي الليل ليرصد النار البعيدة ، هناك قرب الخطّ الفاصل بين المسموح له أن يكون فيه ، وبين المحّرم عليه أن يصله ، فالغزاة أصابع على الزناد ، والهدف كل متحرك ، ولو كان قطّ شحيح الموائد ، ولكن محمد يسافر بمتعة فائقة مع كل رشفة "شاي" يشربها في شرفة البيت المطّلة على الموت ، لا شيئ أصغر من الكون الأن عنده ، كأن روحه جهزت لرحيلها من غير موعدٍ ، فخلَ الجسد منها وسقط أرضاً كباقة أزهار انكسرت أنيتها .
حمزة الشقيق الثاني لـمحمد ، باسماً قدر الأمل الذي كان يسكنه ، ووديعاً كربيع طّل من بعد غربة مجحفة ، وقادراً على أن يحب الحياة أكثر من قدرته على الكراهية ، لم يكن يعلم أن الحياة في نهايتها لا تساوي قدر ضغطت زر في مقبط جندي سكير ، يرمي القذيقة كما يرمي الكلب عظمة ما اشبعته ، وحمزة مثل محمد يحبّ "الشاي" ويكره ضيق الجدران ، فسعى الى بعض من حريته في يوم عاصف ودموي ، فكان على صهوة الحياة وترجل .
أنس الثالث في الشرفة الدموية الأن ، لم يكن شريكاً مباشراً في شرب "الشاي" ولكنه يتأمل السماء ، ويتمتم بلغة لم يفهمها محمد وحمزة ، سأل عن نهاية الحرب ، لم يجبه أي منهما ، وقال "تعبنا" وصوته ينهي رنة الأبرة في ضجيج الدم المسفوك أمامه ، ما رأه لم يكن محتملاً ، فمحمد الذي مازحه للتو بات جثة أمامه ، وحمزة فوقه أو قربه يغرق في دمه ، أنس الذي شط عقله وشلت حركته من روع ما يرى ، ولم يكن قدره ألطف من قدرهما ، سرعان ما أصبح الثالث في الشرفة جثياً بلا روح .
ثلاثة شهداء أشقاء في بضع ثواني ، صناعة غليظة جداً ، من غزاة اعتادوا قتل الفراشات النائمة ، وقطف الزهور قبل أوانها ، الغزاة الذين يدربون الحياة على الموت في الابرياء ، يمشون فوق التوابيت الطائرة ، ليتأكدوا من ضحاياهم ويتفقدوا صواب نارهم التي يعبدونها .
لا شيء للقلب يقال في هذا اليوم ، ولا لغة تجمع أصابعها لتمسك العبارات دون أن تسقط أرضاً وتنكسر كبنور المدن المضيئة ، لا شيء يقال للحياة من بعدهم سوى ما قالته هي لهم يوم أن تركتهم يموتون كالفرح في صدور من أحبهم وأنتظر لهم أياماً "زي الفل" .
قريب من ضفة الوداع المديد ، تجلس أمٌ ثكلى ، وأبٌ يدرب القلب على الفراق ، ولا يجيدان النسيان ، الأم وكأنها تلمّ خطوات الثلاثة عن بلاط البيت ، تزيدهم حضوراً عقب كل صلاة ، والأب الذي تعود أن يزرع الصبر في الطرقات الى السوق ، ينهزم عند عتبة البيت ، فهنا جلس الثلاثة كأشجار الزينة ، وأصواتهم تعلو بصفاء لتجتمع من حولهم العصافير ، وتسمع منهم وصايا الطيران وعشق السماء .
محمد وحمزة وأنس غرس طيب ، نبتَّ لعائلة معمر ، وقطفته نيران الغزاة قبل الأوان ، في شرفة بيتهم التي ترتدي حزنها من بعدهم كأرملة وفية ، دنى منها الأجل ولم تحل لنفسها الفرح بعد.
ولأنني مثل أبيهم متعب من الأسماء الغائبة ، تحضرني اسمائهم في ابنائي وهم كانوا أصدقاء ، لا أبذل الكثير من الجهد لكي أجد الحزن معتمراً قلوب أبنائي أنس وحمزة على فراق الشهداء ، ولكنني أجيد فن الصبر لتجاوز الهزيمة فيهم ، وفي نفسي التي شقت صخرة الحياة من بين حجرين أولهما أشد قسوة من الأخر ، لا شيء لنا سوى الوفاء ، كل شيء لنا حد المجاز ، لأننا بالشهداء نستحق الحياة.
وداعاً أيها الشهداء
وداعاً أيها النبلاء