في زمنٍ أصبح فيه المشهد الفلسطيني مثقلًا بالانقسام، ومستنزفًا بالخلافات، وباتت فيه المواقع تُورَّث أحيانًا أكثر مما تُكتسب، يبرز اسم مروان البرغوثي بوصفه أحد أكثر الأسماء حضورًا في الوعي الفلسطيني، رغم أن صاحبه يقبع منذ سنوات خلف قضبان السجن. إنها مفارقة سياسية تستحق التوقف؛ فكم من مسؤول يملك المنبر ولا يملك التأثير، وكم من أسير حُرم الحرية وبقي حاضرًا في ضمير الناس.
ليست القضية أن نتفق جميعًا مع الرجل أو نختلف معه، فذلك حق سياسي مشروع، وإنما القضية أن نعترف بأن الساحة الفلسطينية تعيش أزمة قيادة، وأزمة ثقة، وأزمة مشروع وطني جامع. وفي ظل هذه الأزمات، يعود اسم البرغوثي في كل محطة مفصلية، لأن جزءًا معتبرًا من الفلسطينيين يرى فيه رمزًا للثبات، وصوتًا يدعو إلى إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية.
المفارقة الأكبر أن بعض من يتحركون بحرية في المشهد السياسي لم ينجحوا في صناعة حضور يوازي حضور رجلٍ يتحدث من خلف القضبان. فالرمزية لا تصنعها المكاتب الفخمة، ولا المواكب، ولا البروتوكولات، بل يصنعها التاريخ، والموقف، والقدرة على البقاء في وجدان الناس.
لقد دفعت القضية الفلسطينية ثمنًا باهظًا لصراعات النفوذ، ولتغليب الحسابات الفصائلية على المصلحة الوطنية. ولم يعد مقبولًا أن يبقى الوطن رهينة للانقسام، فيما تتآكل القضية تحت وطأة الاحتلال والاستيطان والأزمات الداخلية. إن استمرار هذا الواقع ليس انتصارًا لأحد، بل خسارة للجميع.
من هنا، فإن أي حديث عن مستقبل النظام السياسي الفلسطيني لا يمكن أن يتجاهل الشخصيات التي تحظى بحضور شعبي وتأثير سياسي، ومن بينها مروان البرغوثي. فالشرعية، في نهاية المطاف، لا تُقاس فقط بالموقع الرسمي، بل أيضًا بمدى ثقة الناس، وبالقدرة على توحيد الصفوف وصناعة الأمل.
إن فلسطين اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات، ولا إلى خطابات التخوين والإقصاء، بل إلى مشروع وطني يعيد الاعتبار للشراكة، ويُخضع الجميع لإرادة الشعب وصندوق الاقتراع، ويضع حدًا لسنوات طويلة من الاستقطاب السياسي الذي أنهك المجتمع وأضعف مؤسساته.
قد يختلف الناس حول الأشخاص، لكنهم يتفقون على أن الأوطان لا تُبنى إلا بقيادات تمتلك الشجاعة لتحمل المسؤولية، والقدرة على جمع المختلفين، والإيمان بأن الوحدة الوطنية ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، بل شرطًا أساسيًا لبقاء القضية الفلسطينية حية وقادرة على مواجهة التحديات.
ويبقى الحكم الأخير للشعب الفلسطيني وحده، فهو صاحب الكلمة الفصل في اختيار قياداته، وهو وحده القادر على منح الشرعية لمن يراه الأقرب إلى تطلعاته الوطنية. أما التاريخ، فقد أثبت مرارًا أن الأفكار لا تُسجن، وأن الرموز التي تولد من رحم المعاناة تبقى حاضرة في ذاكرة الشعوب، مهما طال الزمن، ومهما اشتدت القيود.