تاريخ النشر: 2018-01-16 | 20:06
تاريخ النشر: 2018-01-16 | 20:06
أمد/ القاهرة - كتب مروان كنفاني:* لا يختلف اثنان على أن القنبلة التى فجّرها الرئيس الأمریكى ترامب حول القدس فى الیوم السادس من شهر دیسمبر/ كانون الأول ٢٠١٧ قد شغلت العالم، والفلسطینیین بالذات، بسبب توقیتها ومفاجأتها أولاً وأهمیتها ثانیاً. كان من غیر المتوقع، لغالبیة الدول العالمیة والعربیة والفلسطینیين بالذات أن یصدر عن الولایات المتحدة الأمریكیة، على لسان رئیسها علنیّاً وشخصیّاً، مثل هذا القرار الفردى والجائر من دولة تبنت مهمة الإشراف على المفاوضات الفلسطینیة الإسرائیلیة خلال سنوات طویلة، ومن رئیسها الذى تعهد منذ انتخابه المفاجئ بأن یكرّس جهده وجهد إدارته من أجل التوصل لحل نهائى لهذا النزاع وفق مبدأ حل الدولتین.
من ناحیة أخرى فقد جاء الخطاب الاستعراضى للرئیس الأمریكى، ربما بشكل مقصود، غامضاً فى أبعاده بالرغم من إصراره المستفز، فلم یحدد الخطاب أى «قدس» هى المقصودة، وتحاشى، ربما أیضاً بشكل مقصود، الإشارة إلى أنها القدس الموحدة، أو القدس الغربیة، أو القدس الشرقیة، أو القدس العربیة. والأغرب من ذلك هو أن نفس القانون الذى استند علیه لاتخاذ قراره، والذى وقه باستعراض مسرحى، كان یتضمن ضمن بنوده ما یفسد قرار الرئیس. فقد نشرت صحیفة (بولیفاكت) الأمریكیة ریبورتاج طویلا عن خطاب الرئیس الأمریكى وخلفیاته فى معرض انتقادها للرئیس ترامب بسبب تجنبه الإشارّة لبعض الحقائق ضمن خطابه، أوردت فیه أن نفس القرار بقانون الذى أعلنه الرئیس ترامب ووقع علیه وأرسله لوزارة الخارجیة الأمریكیة لتنفیذه، وهو قرار مجلس الشیوخ الأمریكى لعام 1995 الذى أعید تأكیده مرة أخرى فى مجلس الشیوخ فى شهر یونیو/حزیران من عام 2017 بأغلبیة 90-0، قد تضمن فى فقرة حاكمة إعادة تأكید مجلس الشیوخ «لسیاسة حكومة الولایات المتحدة الثابتة منذ زمن طویل والتى وافق علیها الحزبان الدیمقراطى والجمهورى، والمتمثلة فى أن الوضع الدائم للقدس یبقى موضوعاً یتم تقریره بین الأطراف من خلال المفاوضات النهائیة باتجاه حل الدولتین». وقد یبدو أن الغموض الذى شاب خطاب الرئیس ترامب قد تم تفسیره من أطراف أخرى، نحن من بینها، بأن المقصود هو القدس العربیة والأماكن المقدسة الإسلامیة والمسیحیة.
لقد علّمنا التاریخ أن مثل هذا التصرف المتعالى والفوقى معروف ومألوف من الدول والقوى الأعظم، فقد احتلت بریطانیا معظم ماعرف بالعالم القدیم، واحتلت روسیا معظم دول وسط أوروبا وآسیا، كذلك فعلت إمبراطوریات الإغریق والفرس والرومان والتتار، ولكن مستقبل ودیمومة تلك القرارات وما تبعها من احتلالات قررتها سیاسات الدول والشعوب الصغیرة لاسترجاع حقوقها واستقلالها ولیس تلك الدول والقوى الاستعماریة. إن أولئك، ومعظمهم من عباقرة الدبلوماسیة الفلسطینیة، الذین اكتشفوا فى 6 دیسمبر/كانون الأول وهرعوا لإثبات الانحیاز الأمریكى الذى ولدت به ونمت وترعرعت إسرائیل منذ عقود طویلة هم الذین فشلوا أیضاً فى اتخاذ الخطوات والقرارات الممكنة والمؤیدة من الشرعیة الدولیة والدول العربیة لتمتین الموقف الفلسطینى وتجنب أخطار وتداعیات قرار الرئیس ترامب.
جاءت ردود الفعل الشعبیة الفلسطینیة انعكاساً شرعیّاً للغضب والرفض، وصمد الشباب والشابات والشیوخ والأطفال على خطوط التماس بجهدهم ودمائهم، وتعرضوا مرة أخرى للعسف والعنف والإجرام الذى تمیّزت به قوات الاحتلال والاستیطان. واصطف العالم بأسره شعوباً ودولاً فى رفض هذا الإجراء الأمریكى الذى لا مبرر له سوى الدعم الأعمى لأحزاب التطرف والعنصریة والاستیطان التى تحكم إسرائیل الیوم. كان ذلك كله مفهوماً ومبرراً باعتباره رد فعل عفويا وعاطفيا یعكس كل ألم وعذاب شعبنا المناضل ویأسه من جدیة رد فعل سیاسى فلسطینى رسمى فى ظل الانقسام والعجز اللذين یعصفان بالمجتمع والقضیة الفلسطینیة.
كان ذلك هو حق واجب للجماهیر الفلسطینیة وتعبیر صادق عن غضبها وإحساسها بالظلم والتحیّز.
تقع المسؤولیة الوطنیة المتعلقة بالتصدى لهذا التطور الخطیر على عاتق السلطة الوطنیة والفصائل والأحزاب الفلسطینیة التى تدیر العمل السیاسى الفلسطینى وتضع السیاسات التى من المفروض أن تؤمن مصالح الشعب الفلسطینى وأهدافه فى إنهاء الاحتلال ووقف الاستیطان. وفى هذا المجال لیس هناك مكان للغضب أو المقاطعة أو الانسحاب أو التبریر.
یبدو واضحاً الیوم وبعد مرور أسابیع عدة على بدء الأزمة الحالیة أن رد الفعل السیاسى الفلسطینى قد شابته البلبلة والسلبیة والتخبط والإحباط، وبدأ مسؤولوها فى التماهى وربما المزایدة على الموقف الشعبى الفلسطینى فى تصریحات وقرارات لا تفید مصالح شعبنا ولا تستطیع السلطة الوطنیة تنفیذها، ولا یصدقها أحد من الأصدقاء ولا الأعداء. أمام السلطة الوطنیة الفلسطینیة والفصائل الفلسطینیة كافة طریقان لا ثالث لهما، فإما أن یعلنوا بجمعهم إلغاء ااتفاق أوسلو وكل ما نتج عنه، ویتوحدوا للعودة للمقاومة تحت الاحتلال، الأمر الذى لا یبدو ممكناً نتیجة للوضع الفلسطینى المتشرذم، أو أن یحاولوا التوصل لحل سیاسى مقبول للأزمة الحالیة بالاعتماد على الشرعیة الدولیة وتأیید دول العالم وبالتعاون مع حلفائنا، وأولهم الدول العربیة، والأمم المتحدة والوسطاء الدولیین.
إن الشعب الفلسطینى یدرك بنباهته الطبیعیة الفرق بین الشعارات الجادة والممكن تحقیقها وبین التصریحات الناریة التى لا یمكن تحقیقها وسوف یتم التنازل عنها. بین الكلام الكثیر الذى أطلقه المتحدثون الفلسطینیون الكثر طفت تهدیدات لم یتم مناقشتها أو ذكرها أو حتى التعلیق علیها لا من قبل الولایات المتحدة ورئیسها، ولا من إسرائیل، ولا حتى من أى دولة أجنبیة أو عربیة أو إسلامیة. أعلن كبار مفاوضى السلطة الوطنیة أنهم لن یقابلوا أى مسؤول أمریكى زائر أو مقیم، وأنهم لن یقبلوا ثانیة توسط الولایات المتحدة لحل النزاع الفلسطینى الإسرائیلى، وأنهم لن یقبلوا الضغوط أو النصائح أو العودة للمفاوضات إلاً إذا تراجعت الولایات المتحدة وألغت قرارها حول عاصمة إسرائیل.
شروط لا تؤیدها أى دولة أوروبیة أو عالمیة بما فیها معظم الدول العربیة. إن دول العالم الداعمة لنا ولحقوقنا لا ترید «هزیمة» الولایات المتحدة ولا إهانتها وإذلالها، ولكنها ترید تفسیراً لأبعاد خطاب الرئیس الأمریكى یعطى الفلسطینیین حقوقهم بما فیها الحق فى إعلان القدس العربیة عاصمة للدولة الفلسطینیة المستقلة على الأراضى الفلسطینیة المحتلة فى عام 1967، وفق حراك سیاسى قائم على حل الدولتین. إن هذه الأسس هى التى تبنتها منظمة التحریر الفلسطینیة، والسلطة الوطنیة الفلسطینیة وغالبیة الفصائل والأحزاب الفلسطینیة بما فیها حركة حماس وفق تصریحات قیادتها الأخیرة.
إن قرارى مجلس الجامعة العربیة المتتابعین خلال الفترة التالیة لخطاب الرئیس ترامب قد وضعا أسس التحرك العربى، الذى یجب أن یتضمن التحرك الفلسطینى أیضاً، لمواجهة الخطورة التى قد تكون أسوأ ما تجابه القضیة الفلسطینیة منذ نكبة عام 1948. والأساس الأول یدعو للعمل الجماعى العربى لأخذ قرار دولى من مجلس الأمن بإعلان الدولة الفلسطینیة، بینما یشترط الثانى أن تكون القدس العربیة بما فیها من مقدسات هى عاصمة الدولة الفلسطینیة. كیف یمكن التعامل لتأمین صدور هذین القرارین حال رفضنا الحدیث واللقاء مع ممثلى الولایات المتحدة؟
إذا كان ما تقصده الولایات المتحدة هو الاعتراف بالقدس الكبرى بما فیها القدس العربیة والأماكن المقدسة الإسلامیة والمسیحیة فلیس أمامنا سوى العودة للقتال والمقاومة من جدید، فإما نتوصل لحقوقنا الشرعیة أو فلتحتل إسرائیل باقى ما تبقى من بلادنا.
وإذا كانت الولایات المتحدة قد قررت الاعتراف بالقدس الغربیة فقط كعاصمة لإسرائیل، فإن شرط قبولنا هو اعتراف الأمم المتحدة ومجلس الأمن بالدولة الفلسطینیة وبالقدس العربیة، بما فیها من أماكن مقدسة إسلامیة ومسیحیة ویهودیة، عاصمة لتلك الدولة المستقلة على غرار ما كانت فى الأربعة عشر قرناً الماضیة.
عن المصري اليوم
* نائب فلسطيني سابق ومستشار الرئيس الخالد ياسر عرفات