رئيس الحكومة الاسرائيلية "نتنياهو" بدأت عليها ملامح الاضطراب والامتعاض , والضيق بينما كان ينتظر دوره ليركب الأتوبيس المخصص لنقله صوب تجمع الشخصيات الدولية المشاركة في مسيرة الجمهورية الفرنسية دعت إليها الحكومة استنكاراً و تنديداً بالاعتداءات الارهابية التي تعرضت لها فرنسا وأوقعت عشرات القتلى و الجرحى .
نتنياهو بات يعانى افلاساً سياسياً بائناً , والكثير من عدم الاستقرار و الاتزان و التخبط في التصريحات و المواقف خاصة بعد تفكك الائتلاف الحكومي العنصري المتطرف الذى قاده وانتهى بإنهياره لأسباب منها استفراده وتنفذه بالقرار وعدم اكتراثه بآراء الدائرة الضيقة المحيطة به التي تمثل مركز القرار في الأزمات و الحروب و الاعتداءات كما حدث مع غزة إبان الاعتداء الهمجي الأخير وفشل فشلاً ذريعاً على أعتابها حيث بدأت تتسرب تصريحات تَنم عن مواقف لقيادة جيشه المهزوم مفادها أن اسرائيل لم تحقق نصراً في غزة..! والذى بذلك صرح تحدث من موقع المسؤول وعلى معرفة تامة بما حدث في غزة خلال 51 يوماً .
شارك نتنياهو في المسيرة التي انطلقت من ساحة الجمهورية وصولاً لساحة الأمة في العاصمة الفرنسية باريس , واستغل مقتل 4 من اليهود ليزاحم 50 من قادة
وزعماء دوليون يُستنتج من هذا الموقف مدى الوقاحة الظاهرة على تصرفات الشخص الغريب وتقدمه الصفوف الأولى مظهراً تضامناً مع الحكومة و الشعب الفرنسي , تم ذلك مع عدم رغبة الرئيس الفرنسي "هولاند" والقصر الرئاسي من مشاركة الأخير في التظاهرة وبدا الامتعاض ظاهراً بسبب عدم رغبة فرنسا من مشاركة نتنياهو وهو الموقف الفرنسي الرسمي المعلن بلا حرج لاعتبارات تدركها فرنسا وقادة آخرون .
أتى نتنياهو إلى فرنسا ليشاركها فعاليات تظاهرة دولية استنكاراً وتنديداً ومناهضة للإرهاب , بعد موجة من الاعتداءات الدامية التي تعرضت لها فرنسا وسقوط قتلي وجرحى , وآثر الذهاب بنفسه وعدم ترك المجال أمام وزير خارجيته ليبرمان ,أو وزير الاقتصاد نفتالى بينت ممن كانت لديهم الرغبة بالمشاركة في المسيرة على اعتبار أنها فرصة مهمة قد لا يتكرر مثيلها في الوقت الحالي خاصة مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية الاسرائيلية وبذلك يستغل حضوره اعلامياً امام الرأي العام الدولي والاسرائيلي وبذكائه الفردي و غبائه السياسي العام اعتقد أن الأمر سينطلي على القادة و الزعماء ممن شاركوا في مسيرة الجمهورية و أنه ضد الارهاب و يستنكره و يدينه بأشد العبارات ونسى حقيقة انه هو ذاته الأب الروحي للإرهاب العالمي وهنالك آلاف الشواهد تثبت ادانته أمام قادة أوربا وخاصة فرنسا المضيفة والمجتمع الدولي و محكمة الجنايات الدولية وأخرها الاعتداء الهمجي على قطاع غزة الذى يئن تحت وطأة حصار ظالم جائر منذ ما يقارب 9 سنوات يُمنع بموجبه دخول الاحتياجات الأساسية والضرورية لسكان قطاع غزة , ويقف سداً منيعاً في وجه اعادة اعمار ما دمره جيشه ويُبقى على حالة التشرد و اللجوء في ظل أوضاع مأساوية تواجهها غزة مع كل إطلالة شمس نهار جديد .
يعتقد نتنياهو بمشاركته في مسيرة الجمهورية أن صورته الانتخابية أمام الناخب الإسرائيلي تبدو بأفضل حال , لكنه الاعتقاد السائد أن الناخب الاسرائيلي من منح الثقة لحكومة يمينية متطرفة قد يعيد النظر والإدلاء بصوته في الإنتخابات القادمة المحددة يوم 17 مارس من العام الحالي 2015م , والأسباب يعرفها المواطن الاسرائيلي فهو لم يلمس أي تغير في سياسات الحكومة الاجتماعية والاقتصادية و السياسية و المالية التي دُمغت بالفساد بعد تسرب وثائق واعترافات لمتنفذين في وزارت سيادية منها المالية و الداخلية و الرفاه و غيرها , اضافة لملف آخر أتهم مقربين من نتنياهو بتزوير نتائج الانتخابات الداخلية لحزبه الليكود, وهذا من شأنه أن يؤثر مباشراً على اصوات الناخبين .
وتداعيات الحروب المتعاقبة على غزة تبقي حاضرة في زاوية مهمة من المشهد السياسي و الانتخابي والسباق المحموم للكتل والتكتلات , حيث تعرضت غزة لحربين بفارق عامين في الفترة الواقعة بين خريف العام 2012م وصيف العام2014م , خلال فترة رئاسته للحكومة الاسرائيلية وما نتج عنهما وتداعياتهما على أصوات الناخبين الباحثين عن الرفاة و الترفيه ومتطلبات الأمن و الأمان المعدومة فُرصها فيما لو تولى نتنياهو رئاسة الحكومة القادمة وهذا ما يدركه الناخب.
تعانى الحلبة السياسية الاسرائيلية جدلاً واسعاً مع ما نتج عنه تفكك الائتلاف الحكومي الهش المبنى على المصالح والتكتلات النيابية بمواجهة بعضها , والاتجاه نحو اختبار القوة في الشارع من خلال الاحتكام لرأى الناخب الاسرائيلي و المحاولات المضنية لتوجيه ولفت انتباهه صوب برامج انتخابية مختلفة , متفاوتة , جديدة مع ظهور تحالفات و انشقاقات يمكنها أن تمثل رافعة لمرشحين و كتل و تكتلات غير متوقعة يحسم أمرها صندوق الانتخابات.
فشل نتنياهو خلال زيارته لفرنسا و مشاركته في مسيرة الجمهورية دبلوماسياً , وبدا الذى لا يُرغب بوجوده..! وهو يقف بجانب القادة والزعماء, وحالة الزخم والتأييد لإسرائيل في طريقها للانحسار الفعلي ولم يعد الموقف الأوربي متضامناً بلا حدود مع دولة باتت في نظر الشعوب الأوربية قبل حكوماتها تمارس الإرهاب و تحتل حدود دولة أخرى معترف بها دولياُ و ترفض إنهاء إحتلالها تحت ذرائع أمنية , وتمارس القتل بحق الأبرياء وتعتقل و تبطش بالصبية و الأطفال , وتصادر حقوق العُزل في التنقل الآمن بين مدنهم و قراهم و حقولهم و تبتلع أرضهم و تقيم عليها جداراً عنصرياً , وتنهب خيراتهم الطبيعية, وتعتدى على المقدسات , وتمارس القرصنة والابتزاز و تُصادر أموال الضرائب التي تجبيها دولة الاحتلال لصالح الخزينة الفلسطينية بموجب اتفاقية باريس الاقتصادية وهى حق مشروع للسلطة الوطنية الفلسطينية تمثل موارد مالية تشغيلية تسهم في استمرار عمل الوزارات و تقديم الخدمات للمواطنين الفلسطينيين وتُسهم في دفع فاتورة الرواتب الشهرية لموظفي القطاع العام الفلسطيني لم تُدفع في وقتها المحدد ما ساهم بزيادة الاعباء الحياتية لشرائح عديدة تستفيد من صرف رواتب الموظفين .
احتياجات طارئة مُجمدة بفعل القرصنة الاسرائيلية التي جاءت رداً على توقيع الرئيس الفلسطيني " محمود عباس" برتوكول روما 1998م , والانضمام لمحكمة الجنايات الدولية والموافقة على الطلب فعلياً برغم محاولات رئيس الحكومة الاسرائيلية البائسة منع ذلك دون أن يتمكن , ويظهر ذلك فشلاً ذريعاً منيت به سياسة دولة الاحتلال , وانتصاراً مهماً للحق الفلسطيني وقيادته , و نقلة نوعية لمن اتقن خيوط اللعبة السياسية ولاقي كل التأييد والتقدير في المحافل الدولية وبدا ظاهراً سواء من اثناء استقباله في القصر الرئاسي الفرنسي أو في قصر الرئاسة التركية "السراي" الجديد وتصريحات الرئيس التركي "أردوغان" بحق "نتنياهو" من فشلت سياسة التدليس التي حاول تقمصها والظهور بمظهر حمامة السلام والممتعض من الارهاب وبحقيقة الأمر هو من يمارس فصوله بحق شعب أعزل إلا من الارادة و التصميم لإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية عاصمتها القدس في ظل متغيرات و إن كانت طفيفة إلا أنها مُشجعة و نوعية يُبنى عليها لاستقراء مستقبل التأييد الدولي للحق الفلسطيني و التنديد لذات المؤيد للحق الفلسطيني بسياسات دولة الاحتلال خاصة بعد المواقف الأوربية الأخيرة التي اظهرت مسؤولية ومواقف إيجابية داعمة للحق الفلسطيني و انتصاراً لعادلة قضيته ترجمتها الاعترافات المتوالية لدول أوربا الرئيسة و المتنفذة في القارة الفتية وأهمها الدعم و الاعتراف الفرنسي , والكثير من برلمانات أوربا من حذت حذوها ووجهت لطمة غير مسبوقة لدولة الاحتلال وللسياسة الأمريكية .