على مدى سنوات، اعتبر النظام الإيراني مضيق هرمز أحد أهم أوراق الضغط التي يمتلكها في مواجهة المجتمع الدولي. وكلما تصاعدت الأزمات أو اشتدت الضغوط السياسية والاقتصادية، عاد الحديث عن تهديد الملاحة أو تعطيل صادرات الطاقة باعتباره وسيلة لفرض معادلات جديدة. لكن التطورات الأخيرة تشير إلى أن هذه الورقة لم تعد تحقق النتائج التي كانت تحققها في الماضي، بل تحولت تدريجياً إلى عامل يزيد من عزلة النظام ويعزز التوافق الإقليمي والدولي ضده. وتكشف الصحف الإيرانية نفسها حجم الاهتمام الرسمي بهذا الملف، وما يرافقه من قلق متزايد بشأن تداعياته السياسية والاقتصادية.
فالمعادلة الإقليمية لم تعد كما كانت قبل سنوات. فدول الخليج لم تعد تنظر إلى أمن الملاحة باعتباره شأناً اقتصادياً فحسب، بل قضية ترتبط مباشرة بأمنها الوطني واستقرارها السياسي. كما أن القوى الدولية باتت تعتبر حرية الملاحة في الخليج ومضيق هرمز جزءاً من الأمن العالمي، الأمر الذي جعل أي تهديد لهذا الممر الحيوي يستدعي ردوداً جماعية أكثر سرعة وتنسيقاً.
وفي هذا الإطار، فإن أي محاولة لاستخدام المضيق وسيلة للابتزاز السياسي لا تؤدي إلى زيادة نفوذ طهران، بل تدفع مزيداً من الدول إلى بناء تحالفات أمنية واقتصادية تهدف إلى تقليص قدرة النظام على التأثير في حركة التجارة والطاقة. وبدلاً من أن يتحول المضيق إلى مصدر قوة، أصبح سبباً في اتساع دائرة القلق من سياسات النظام، حتى لدى دول كانت تحرص سابقاً على تجنب التصعيد معه.
ولعل أبرز مؤشر على هذا التحول هو القرار البريطاني المتعلق بإدراج الحرس الثوري الإيراني ضمن الأطر الخاصة بالتنظيمات والتهديدات الإرهابية. فهذه الخطوة لا تنفصل عن الدور الذي لعبه الحرس الثوري خلال السنوات الماضية في تهديد أمن الملاحة، ودعم الميليشيات التي استهدفت السفن والمنشآت الحيوية في المنطقة. ولذلك لم يعد يُنظر إلى الحرس باعتباره مؤسسة عسكرية داخلية، بل كأداة رئيسية لإنتاج الأزمات العابرة للحدود، وهو ما يفسر اتساع المطالب الدولية بتقييد حركته وتجفيف مصادر نفوذه.
وفي الوقت نفسه، يكتسب البيان الذي وقّعه أكثر من 120 شخصية عربية أهمية مضاعفة، لأنه عبّر بوضوح عن رفض تحويل المنطقة إلى ساحة صراعات تخدم مشروع التوسع الإيراني. فالبيان أدان التدخلات الإيرانية في الدول العربية، وحمّل النظام مسؤولية دعم الميليشيات وزعزعة الاستقرار، مؤكداً أن أمن المنطقة لا يمكن أن يبقى رهينة لسياسات تقوم على التهديد واستخدام القوة بالوكالة. وهذا يعكس أن الاعتراض على سياسات طهران لم يعد محصوراً في المواقف الرسمية، بل أصبح يمتد إلى النخب الفكرية والسياسية العربية.
اقتصادياً، تبدو كلفة هذه السياسة أكثر وضوحاً. فكل توتر في مضيق هرمز يرفع كلفة التأمين والشحن، ويزيد المخاوف لدى المستثمرين، ويؤثر في أسواق الطاقة العالمية. لكن المفارقة أن الاقتصاد الإيراني نفسه هو أحد أكبر المتضررين من استمرار هذه الأجواء، لأن أي تصعيد إضافي يعني تشديد القيود المالية، وتراجع فرص الاستثمار، وتعميق أزمة المعيشة التي يعيشها المواطن الإيراني.
أما داخلياً، فإن تصدير الأزمات إلى الخارج لم يعد كافياً لصرف الأنظار عن الأزمات المتراكمة داخل البلاد. فالتضخم، وتراجع القدرة الشرائية، واتساع الفجوة الاجتماعية، واستمرار الاحتجاجات الشعبية، إلى جانب تنامي نشاط وحدات المقاومة، كلها عوامل تجعل من الصعب على السلطة إقناع الإيرانيين بأن تهديد المضيق يمثل إنجازاً وطنياً أو حلاً لمشكلاتهم اليومية.
إن مضيق هرمز سيظل ممراً استراتيجياً بالغ الأهمية، لكن استخدامه أداةً للضغط السياسي أصبح يحمل نتائج معاكسة لما يريده النظام. فكلما ارتفعت وتيرة التهديد، ازداد التنسيق الإقليمي والدولي لحماية الملاحة، واتسعت عزلة طهران، وتعززت القناعة بأن أمن الخليج لا يمكن أن يبقى رهناً بسياسات الحرس الثوري. وهكذا، تحولت الورقة التي اعتبرها النظام لعقود إحدى أهم وسائل قوته إلى أحد أبرز أسباب تضييق هامش حركته الإقليمية والدولية.