تاريخ النشر: 2019-04-29 | 15:34
تاريخ النشر: 2019-04-29 | 15:34
تعي إسرائيل جيدا بأن روسيا قوة مركزية في الشرق الاوسط، ولها تأثيرها ونفوذها على النظام السوري لذلك فانها تنظر الى علاقاتها مع روسيا "كأحد عناصر القوة الإستراتيجية الإسرائيلية" في الشرق الأوسط. وبالرغم من أن العلاقات الروسية الإسرائيلية شهدت بعض التوترات بسبب التواجد الإيراني في سوريا وكان اخرها حادثة إسقاط طائرة "إيل - 20" الروسية في سورية ومقتل ركابها بصواريخ مضادة للطائرات زودتها روسيا لجيش النظام السوري، واستخدمها الجيش السوري ضد الطائرات الإسرائيلية التي كانت تهاجم اهداف في سوريا والتي اصابت الطائرة الروسية وتسبب بتدميرها وتحميل روسيا إسرائيل السبب في ذلك، الا ان إسرائيل تغلبت على هذه التوترات بقيام رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو بعدة زيارات الى موسكو بهدف تحسين العلاقات مع روسيا وعقد اتفاقيات امنية لقطع الطريق امام ايران وحزب الله في سورية وإبعادهم عن حدودها حيث شهدت العلاقات الروسية الإسرائيلية في الآونة الأخيرة تحسن ملحوظ وسمحت روسيا لإسرائيل بضرب أهداف إيرانية في سورية وتوج امس بعملية استعادة جثة الجندي الإسرائيلي زخاريا بامول الذي قتل في معركة السلطان يعقوب في لبنان في العام 1982. كهدية قدمها بوتين لنتنياهو وإسرائيل من جانبها تعهدت بتحرير عدد من المعتقلين السوريين لديها لقاء ذلك. وهذا يؤكد بأن العلاقات الروسية الإسرائيلية وصلت حداً كبيراً من الثقة والمصالح المتبادلة، وترى موسكو انه من الضروري احتواء إيران والحد من حجم وجودها العسكري في سوريا لأن موسكو بحاجة للحفاظ على علاقات جيدة مع طهران وتل أبيب معا.
السؤال الذي يتبادر للأذهان ما هي مصلحة قوة عظمى كروسيا ان تعقد تحالفات مع دولة صغيرة كإسرائيل؟ الإجابة هي أن كلا من إسرائيل وروسيا لديهما اسبابهما الخاصة والمشتركة، فمثلا تهدف روسيا من وراء تقوية علاقاتها مع اسرائيل ان تكون عامل تأثير في منطقة الشرق الأوسط خاصة بعد جهود حثيثة تبذلها تركيا "الاوردوغانية" لتحويل منطقة القوقاز لتكون ساحتها الخلفية، وبالتالي فإن التهديد التركي، وحقول الغاز التي تم الكشف عنها مؤخرا في شرقي البحر المتوسط، تقف وراء مبادرة روسيا لإنشاء كتلة مشتركة مع اسرائيل وقبرص واليونان، خاصة بعد أن أصبحت منطقة الشرق الاوسط ساحة تنافس بين القوى العظمى. وأيضا لسبب أخر مهم جدا لروسيا وهو أن إسرائيل لديها تقنية عسكرية عالية وترغب روسيا ان تكون اسرائيل مصدرا مهماً للتقنية العسكرية الروسية؛ الذي تحتاج له، وأيضا طموح إسرائيل في تعزيز تجارة السلاح مع روسيا كقوة عسكرية صاعدة حيث تتطلع إسرائيل للشراكة مع روسيا في تطوير الصناعات العسكرية العالية التقنية وتصديرها للعالم من البوابة الروسية وتحاول من خلاله التأثير عليها بعدم تسليح حلفائها العرب والايرانيين، بالامتناع عن تنفيذ الاتفاقيات والعهود المبرمة مع سوريا وإيران بتزويدهم بالسلاح والعتاد والتجهيزات والسلاح النوعي، الذي قد يخل بالتوازن الاستراتيجي في منطقة الشرق الأوسط.
وهناك أسبا تعود لإسرائيل نفسها حيث أن الدور الأمريكي تراجع في سوريا بعد اعلان ترامب الانسحاب من سوريا، لذلك رأت إسرائيل انه من الضروري البحث عن حليف يملئ الفراغ الذي تركته أمريكا فوجدت ضالتها في روسيا. كما توجد أسباب مشتركة بين الطرفين الروسي والاسرائيلي كخوفهما المشترك مما تسميانه "التطرف الإسلامي" وشعورهما بأنهما يواجهان ذات التهديدات من حركات إسلامية راديكالية كتنظيم الدولة "داعش"، وهو ما أدى إلى تقارب بينهما، وكثفتا التعاون الأمني والاستخباري بينهما بشكل لم يسبق له مثيل وتبادلا الزيارات لقادة أجهزة الامن والاستخبارات في كلا البلدين بهدف تنسيق التعاون الأمني بينهما لمواجهة ما يسمى بالتهديد الإسلامي المتطرف.
ان هجرة أكثر من مليون يهودي روسي الى إسرائيل يلعب دورا مهما في المعادلة الخارجية الروسية والمعادلة الداخلية في إسرائيل حيث ان هؤلاء المهاجرين يشكلون كتلة كبيرة في إسرائيل وهم ما زالوا يحتفظوا بهويتهم الروسية ولا يمكن لروسيا ان تنساهم او تتجاهلهم وأيضا هم يشكلون كتلة انتخابية كبيرة ووزن سياسي واقتصادي واجتماعي في إسرائيل ولهم دورهم السياسي والاقتصادي والاجتماعي داخل إسرائيل ولا يمكن لصناع القرار في إسرائيل تجاهلهم لذلك فان هؤلاء المهاجرين اليهود الروس هم مصدر قوة للعلاقات الروسية الإسرائيلية.
ومن بين الأسباب التي لا يمكن تغافلها والتي تؤدي الى تطور العلاقات الروسية الإسرائيلية باستمرار هو المصالح الاقتصادية والتجارية بين البلدين خاصة بعد اكتشاف إسرائيل وجود الغاز امام شواطئها وترغب إسرائيل بالتعاون مع روسيا في هذا المجال نظرا لخبرتها الطويلة في مقابل ان تفتح إسرائيل لروسيا أسواق جديدة للغاز الروسي في أوروبا، ووصلت العلاقات التجارية والاقتصادية بينهما الى مستويات متقدمة لاسيما في تجارة الماس والمعادن الثمينة التي يتاجر بها كبار الأثرياء في كلا البلدين والذين يمتلكون تأثير على صانعي القرار في البلدين. كما ساعدت هذه العلاقات في زيادة عدد السياح الروس إلى إسرائيل بنسبة كبيرة.
ان إسرائيل تشترط لتحقيق أي تعاون إسرائيلي روسي مستقبلي ان تقوم روسيا بالتأثير على الإيرانيين للخروج من سوريا وابعادها عن حدودها الشمالية، لكن روسيا لا تستطيع القيام بذلك بشكل مباشر لان من شأن ذلك أن يؤدي لظهور مشاكل مع الإيرانيين خوفا ان تعتقد إيران أن إسرائيل تعتبر أولوية بالنسبة لروسيا. وبناء على ذلك، تُحاول موسكو الضغط على النظام السوري لتحقيق مساعيها دون خسارة حلفائها، وبالتالي فهي ترمي الكرة في ملعب دمشق التي قد تتمكن من إخراج الإيرانيين من أراضيها دون ظهور روسيا بالصورة، إلا انه من المستبعد ان يستطيع النظام السوري القيام بهذه المهمة بدلا عن الروس نظرا لان إيران قدمت الكثير للنظام السوري وهي "احيته بعد موته" وهي تعرف كل خباياه، لذلك لن يستطيع الأسد الوقوف امام التوغل الإيراني في نظامه وستبقى كلا من روسيا وإيران على مسافة واحدة مع النظام السوري، وستبقى العلاقات الروسية الإسرائيلية لا مميزة ولا سيئة، لان كلاهما يتعامل بمنطق المصالح المشتركة، وسيبقى الاختلاف بينهما في العديد من الملفات، كالملف النووي الإيراني، والتوجه الروسي لتزويد كل من إيران وسوريا بالأسلحة والصواريخ كصواريخ S300 المضادة للطائرات، لكن علاقتهما ستبقى موجودة وستستمر في النضوج والتطور وسط الاشتباك الدبلوماسي الاقليمي والدولي المُتمحور في سوريا بالرغم من كل ما قد يحدث في المستقبل من تطورات إقليمية ودولية.