تاريخ النشر: 2021-11-19 | 12:08
تاريخ النشر: 2021-11-19 | 12:08
إن الجريمة تعتبر مرض مجتمعي وتنتشر بكل دول العالم بنسب متفاوتة، وهي ترتبط بظروف المجتمع نفسه، لذا فزيادة معدل الجرائم في أي مجتمع ترتبط بظروفه وخصائصه وكذلك المتغيرات التي حدثت به، وإن ارتفاع معدلات الجريمة يرتبط بشكل كبير بالظروف الاقتصادية والضغوط النفسية التي يتعرض لها الأفراد نتيجة عوامل عديدة، منها الفقر والقهر والظلم، سواء على المستوى الأسري أو الاجتماعي، وإن عدة عوامل أخرى مثل الإدمان والتربية غير السوية تساهم في تنشئة أفراد غير أسوياء، ويعاني المجتمع من سلوكياتهم المضطربة التي تظهر بشكل كبير في سلوكياتهم والجرائم التي يرتكبونها.
ويعتبر الفهم الخاطئ للدين، هو من أهم الأسباب التي تدفع إلى ارتكاب الجريمة، وأيضاً التربية، فالتربية هي حجر الأساس في تشكيل الشخصية وتنشئتها تنشئة سوية وغياب دور الآباء في التربية وانشغالهم بالحياة المادية ومحاولة توفير متطلبات الحياة وإهمال الإشباع العاطفي للأبناء، تبني فرداً غير سوي، بالإضافة إلى غياب دور المدرسة في التوجيه والإرشاد، وثقافة المجتمع التي تشجع على العنف والجريمة والموروثات الثقافية الخاطئة، مثل ما يطلق عليه "جرائم الشرف"، وهو مصطلح خاطئ فلا شرف في الجريمة، فتلك الجرائم تحكمها عادات وتقاليد خاطئة وتدفع ثمنها المجني عليها وليس الجاني.
وعلى صعيد المجتمع الفلسطيني فيعتبر من المجتمعات التي تسجل فيها أقل معدلات للجريمة، نظراً لارتفاع المستوى التعليمي لدى أغلب المواطنين، حيث سجل قطاع غزة على وجه الخصوص أقل معدلات للأمية في العالم، حيث يلقى التعليم اهتماما بالغاً لدى معظم المواطنين.
ولكن خلال الخمس سنوات المنصرمة شهد قطاع غزة، ارتفاعاً ملحوظاً في زيادة معدلات الجريمة، على اختلاف أنواعها وأشكالها، وتمثلت أغلبها في البداية بزيادة حوادث السرقة والتي كانت أحداثاُ منفردة وغير منظمة، ولاقت استغراباً لدى المواطنين، ليتطور الأمر بعد ذلك لتسجل حالات انتحار لدى فئة من الشباب، وتنوعت حوادث الانتحار ما بين الشنق أو إحراق النفس، وهذه الظاهرة تعتبر فريدة جداً لدى المجتمع الفلسطيني، حيث أنه لم تسجل حوادث انتحار سابقاُ.
كل هذه الحوادث لم تثر الرأي العام الغزي بشكل كبير، إلى أن سجلت قبل يومين جريمة هزت أركان المجتمع، ونزل خبرها كالصاعقة وأصبحت حديث كل كبير وصغير بغزة، جريمة بشعة تجرد مرتكبها من الإنسانية ومن الضمير الحي، حيث أقدم أحد الأشخاص في الثلاثينات من عمره على اغتصاب ابنة أخيه الطفلة والتي تبلغ من العمر أربع سنوات، وتسبب لها بنزيف وجروح بالغة.
هذا الشخص وأقل ما يقال عنه بأنه مجرم منزوع الرحمة، والذي يعمل موظف بالشرطة في حكومة غزة، ويعتبر شخصاً متديناً، تسبب بحالة صدمة كبيرة لدى المجتمع الغزي، فكيف سولت له نفسه على أن يقوم بارتكاب جريمة بشعة بحق طفلة صغيرة، دمر حياتها ومستقبلها، من أجل أن يشبع رغباته الجنسية الشاذة، فأي تدين وأي دين ينتمي إليه هذا المجرم الذي يبرر له أن يقوم بهذه الجريمة، فليس هناك دين بالعالم يسمح بمثل هذه الجرائم، سوا أن هذا شخص ملوث فكرياً ونفسياً.
إن المسؤولية الكاملة وراء انتشار معدلات الجريمة في غزة هي الحكومة ويعتبر انتشارها تقصيراً في أداء عملها السليم وقيام بواجباتها الوطنية والأخلاقية والأدبية، وأنه يجب عليها أن تعمل على تصحيح المفاهيم الدينية ونشر روح السماحة والرحمة وقبول الآخر في المجتمع، وكذلك العمل على نسف جميع العادات والتقاليد التي تخالف الإنسانية والرحمة والعدل، ويجب أن يكون للمدرسة دور في التوجيه والإرشاد وتقديم القدوة للطلبة، ومن الضروري تأهيل المقبلين على الزواج ليصبحوا آباء وأمهات قادرين على تنشئة جيل سوي وتوعيتهم بأسس التربية الصحيحة.
هذا بالإضافة إلى العمل على القضاء على البطالة والفقر وتحسين مستوى المعيشة والقضاء على ظاهرة أطفال الشوارع وإعادة دمجهم في المجتمع مرة أخرى، مع الارتقاء بالمستوى الفكري والثقافي للمجتمع، مع تفعيل دور الرقابة على الإعلام وما يقدم من خلالهم وتفعيل القوانين وتطبيقها على المجتمع دون استثناء، وسن تشريع قوانين تحمي المرأة والأطفال من العنف الأسري.