تاريخ النشر: 2026-03-13 | 11:17
تاريخ النشر: 2026-03-13 | 11:17
في قلب معادلة عسكرية وسياسية بالغة التعقيد، تتدحرج رحى حرب غير متكافئة منذ اللحظة الأولى لانطلاقتها.فهي ليست مواجهة تقليدية بين جيشين متقاربين في القدرات،بل هي صدام بين ثقل عسكري هائل،تمثله أكبر قوة عسكرية في العالم (الولايات المتحدة) إلى جانب أكبر قوة في الشرق الأوسط (إسرائيل)،وبين دولة تناضل تحت وطأة حصار خانق وعقوبات قاسية منذ عقود (إيران).هذا التفاوت الصارخ في الإمكانات لم يفضِ،مع ذلك،إلى نهاية سريعة وحاسمة كما كان متوقعا،بل قاد الأطراف جميعها إلى مفترق طرق استراتيجي،حيث لم يعد الحسم العسكري هو الهدف،بل أصبحت "لعبة المخارج" هي سيدة الموقف.
في هذا السياق،يمكن القول إن المرحلة الراهنة من هذه المواجهة قد تجاوزت منطق المعركة الكلاسيكي الذي يسعى إلى تدمير الخصم أو إخضاعه كليا.لقد تحولت ساحة الاشتباك إلى مسرح لـ"معركة سرديات"،يبحث فيها كل طرف عن مخرج يسمح له بتقديم روايته الخاصة للنصر، أو على الأقل،بتجنيب نفسه وسم الهزيمة.إنها مرحلة دقيقة،تدار فيها العمليات العسكرية بقدر ما تدار فيها لغة الإعلام والخطابات السياسية،لأن الهدف الأسمى اليوم ليس السيطرة على الأرض، بل السيطرة على المشهد والتأثير في الرأي العام الداخلي والخارجي.
من هنا،يدخل الطرفان الأمريكي والإسرائيلي "مربع البحث عن مخرج يحفظ ماء الوجه".فبعد توجيه ضرباتها،تجد هذه القوى العظمى نفسها أمام تحدٍ كبير: كيف توقف الحرب دون أن تعترف بفشلها في تحقيق أهدافها المعلنة أو إجبار الخصم على الركوع؟! كيف تنتقل من مربع التصعيد إلى مربع التهدئة دون أن تبدو وكأنها تتراجع تحت الضغط؟!
لقد لخص الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هذا التوجه بدقة في عبارته الأخيرة: "لم يعد في إيران ما يُدمَّر".هذه العبارة،التي تحمل في طياتها أكثر من دلالة،تمثل محاولة ذكية لبناء شرعية الانسحاب أو وقف التصعيد.فهي تسعى إلى طمأنة الجمهور الداخلي بأن الضربات قد حققت غرضها واستنفدت أهدافها،وبالتالي فإن أي خطوة تالية ليست تراجعا،بل هي انتقال إلى مرحلة جديدة بعد اكتمال المهمة.إنها محاولة لاختزال "النصر" في مجرد توجيه ضربة،بغض النظر عن النتائج الاستراتيجية البعيدة المدى،وتحويل الهزيمة السياسية المحتملة إلى إنجاز عملياتي محدود.
أما في الطرف الآخر،فإيران تواجه معادلة مختلفة تماما.فهي لا تبحث عن مخرج يجمّل الهزيمة،بل عن مخرج يؤكد قدرتها على الصمود ويحول ثباتها إلى انتصار.
في ظل هذا التفاوت العسكري الهائل،بات مفهوم "النصر" عند طهران مرتبطا بشكل وثيق بـ"مقاومة" و"إفشال الأهداف الحقيقية للحرب". فالانتصار بالنسبة لها لا يكمن في توجيه ضربة قاضية للخصم،وهو أمر مستحيل عمليا،بل في إثبات أن الحرب لم تنجح في تحقيق أهدافها السياسية المتمثلة في تغيير النظام،أو تدمير قدراتها،أو كسر إرادتها الوطنية.
إن استمرار النظام في أداء وظائفه،وعدم انهيار الجبهة الداخلية،وقدرة القيادة على إدارة الأزمة، كلها عناصر تبني منها إيران خطاب الانتصار. الصمود هو المعركة،والبقاء هو الانتصار.
وهكذا،تتقاطع مسارات الطرفين في نقطة واحدة: ضرورة إنهاء المواجهة.لكنهما يسلكان مسارين متوازيين لا يلتقيان.أمريكا وإسرائيل تبحثان عن مخرج يسمح لهما بتقديم خطاب انتصار (ولو كان صوريا) يستندان فيه إلى تدمير أهداف محدودة، بينما تسعى إيران إلى مخرج يسمح لها بتقديم خطاب صمود وإفشال للمخططات الكبرى.
و بين هذا وذاك،تتحول ساحة الحرب إلى ساحة اختبار للإرادات والسرديات،حيث تكون الغلبة لمن يستطيع فرض روايته على مجرى الأحداث،ويقنع العالم،وشعبه أولا،بأنه الخارج من هذه الحرب منتصرا،أو على الأقل غير مهزوم.
إن ما نشهده اليوم ليس مجرد حرب تبحث عن نهاية،بل هو انهيار صامت لنظرية "الحسم العسكري" ذاتها.لقد أثبتت هذه المواجهة أن القوة العظمى قد تنتصر في كل معركة،لكنها تخسر الحرب إذا لم تستطع تحويل نيرانها إلى إرادات تُكسر.بينما تبحث إسرائيل وأمريكا عن مخرج "يحفظ ماء الوجه"،تبحث إيران عن مخرج "يثبت قوة الظهر".
وفي النهاية،سيكتب التاريخ أن الفائز الحقيقي ليس من فرض إرادته،بل من استطاع أن يجعل خصومه يعيدون تعريف الانتصار ليناسب حجم هزيمتهم.!