جملة من التهديدات الداخلية والخارجية تواجه الكيان الصهيوني، وإن كانت لا ترتقي حتى الآن إلى تهديد وجودي. غير أنها تشكل منعطفاً استراتيجياً خطيراً يطرح سؤالاً كبيراً وبقوة، ليس على لسان المستوطنين وحدهم، بل وصل إلى النخب على تنوعها "هل تستطيع إسرائيل الاستمرار أو البقاء". ويترافق ذلك مع اتساع هوة الانقسامات الداخلية، واتساع العزلة الدولية وتراجع في المكانة الدولية حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، حيث أنّ كل 6 من كل 10 أمريكيين لهم نظرة سلبية اتجاه الكيان، مقارنة ب 42 بالمائة فقط عام 2022. وبالإضافة لاستمرار الحرب على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وما تشهده الضفة الغربية بما فيها القدس من تصعيد ميداني غير مسبوق من قبل الكيان الصهيوني، والحرب على لبنان وإيران.
وهذا ما أقرته الخلاصات والمخرجات التي خرج بها "مؤتمر الأمن القومي"، الذي دعا إليه "معهد دراسات الأمن القومي" التابع لجامعة "تل أبيب" يوم السابع والعشرين من تموز الماضي 2026، وبالتعاون مع صحيفة "يديعوت أحرنوت" العبرية بعنوان "العصر الأمني الجديد لإسرائيل". وقد شارك في هذا المؤتمر العشرات اليوم وبعد مضي ثلاث سنوات على (طوفان الأقصى) في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، يلتقي العشرات من القيادات السياسية والعسكرية والأمنية والباحثين والأكاديميين الصهاينة. والهدف مناقشة عناوين تمس الأمن القومي للكيان الصهيوني وتشكل تهديداً استراتيجياً على مستقبله الهجين واللقيط مهما طال زمن بقائه. والعناوين التي تناولها المؤتمر تمحورت حول: -
• التحوّلات التي طرأت على الكيان في ظل المواجهة مع إيران وحلفائها
• استمرار الحرب في قطاع غزة
• تصاعد الوضع الميداني في الضفة الغربية
• تراجع مكانة الكيان على الساحة الدولية
وكان "معهد دراسات الأمن القومي" قد أعد سلفاً دراسة لتلك التهديدات التي قد يتعرض لها الكيان في السنوات الخمس أو العشر القادمة، وتلخصت في: -
• تراجع الوحدة الداخلية "يضعف قدرة المجتمع على التعبئة" و
• انحسار الدعم الدولي "يقلص قدرة إسرائيل على إدارة الحروب، والحصول على السلاح والغطاء السياسي"
• الضغوط الاقتصادية والديمغرافية "تحد من قدرة الجيش والدولة على مواصلة القتال".
لتجنب الغرق في التعرض لكافة عناوين جلسات المؤتمر، ارتأيت تناول ما يشكل التهديد الأبرز بين كل التهديدات التي تواجه كيان الاحتلال الغاصب، على الرغم أنّ التهديدات في ترابطها كما وصّف رئيس فريق دراسة التهديدات في "معهد دراسات الأمن القومي" العميد احتياط في جيش الاحتلال "يوفال أيالون ": - " إنّ الخطر لا يتكون من تهديد منفرد، بل من شبكة مترابطة قد تنتج "تأثير دومينو". والتهديدات الأبرز هي التهديدات الداخلية التي عنونت ب: -
1. الشرخ الاجتماعي والسياسي، والذي تجلى بالانقسام الحاد داخل المجتمع الصهيوني، بعد تصاعد للخطاب المتطرف. والذي تجاوز خطاب التحريض وبث الكراهية ضد الفلسطينيين، إلى التعرض لبعضهم البعض، مما اعتبر أنّ ظاهرة تصاعد هكذا خطاب من شأنه أن يؤدي إلى مواجهات عنفيه في مجتمع مكوناته ليست في الأصل متجانسة، من خلفية أنّ جذورها ليست واحدة، وتنظر لبعضها نظرة دونية حيث عبّر 97 بالمائة في استطلاعات للرأي عن قلقهم من وقوع ذلك. وهذا التهديد مرتبط بعلاقة الدين ب "دولة الكيان" وهويتها، والمؤسسات وصلاحياتها. فهناك نقاش عالي حول مستقبل الكيان ك "دولة" حيث يطرح المحللون سؤالاً " هل تستطيع إسرائيل البقاء؟ في ظل الانقسامات الداخلية، والعزلة الدولية، واستنزاف الموارد وخاصة العسكرية (موازنة ما سمي بالدفاع 143 مليار شيكل أي بزيادة 30 مليار) بسبب الحروب التي ذهب إليها "نتنياهو" لحماية نفسه ومستقبله السياسي. وما زاد من حدة الانقسام على الملقب الآخر هي الخلافات السياسية على خلفية معركة "طوفان الأقصى" في السابع من أكتوبر 2023، وكيل الاتهامات من قبل المناوئين السياسيين ل "نتنياهو" وائتلافه الحكومي الفاشي، في التقصير والفشل الأمني والاستخباري في منع وقوع ما أسموه بكارثة 7 أكتوبر. والمطالبة بتشكيل لجان تحقيق لتحديد مواضع الخلل، وتحميل مسؤوليات الفشل والتقصير. وحكومة "نتنياهو" لا زالت تتهرب من تشكيل هذه اللجنة تحت مسوغات وذرائع أنّ الكيان لا زال في حالة حرب على أكثر من جبهة. وقد امتد هذا الخلاف السياسي إلى الانتخابات القادمة ل "الكنيست 26"، وتوسع دائرة التشكيك والثقة بالمؤسسات المشرفة على تلك الانتخابات، حيث أظهرت الاستطلاعات أنّ 57 بالمائة متخوفون من المساس بنزاهة تلك الانتخابات. وبأنّ الحكومة تحاول وضع يدها على اللجان الرقابية. وهذا إن دلل على شيء وكما أقرّ "مؤتمر الأمن القومي" بأنّ هناك تراجع للطابع الديمقراطي للكيان، حسب ما تمّ الحديث عنه في أنّ جمهور الكيان لا يفصل بين طبيعة النظام السياسي للكيان وقدرته على الصمود والقدرة على اتخاذ القرارات والتأثير في حشد مجتمع الكيان حول تلك القرارات، ومن ثم القدرة على إدارة الخلافات وقت الأزمات.
2. أزمة تجنيد "الحريديم"، حيث برزت هذه الأزمة على خلفية النقص في عديد أفراد الجيش بسبب تزايد أعداد القتلى والجرحى في صفوف جيش الاحتلال في عدوانهم وحربهم على قطاع غزة ولبنان. فبدأت ترتفع الأصوات المطالبة بأن يؤدي "الحريديم" الخدمة العسكرية لسد هذا العجز. فيما ارتفعت أصوات من الأحزاب المتطرفة بضرورة أن يصدر تشريع يعفي طلاب المعاهد الدينية من التجنيد الإلزامي. ولا زال هذا الخلاف قائماً داخل الائتلاف الحكومي.
3. الأزمة الاقتصادية واستنزاف الموارد. بلغت الموازنة عندما أقرّها "الكنيست" في أذار 2026 "850،59 مليار شيكل"، أي ما يعادل "20 مليار دولار". وبذلك بلغت نسبة العجز في الموازنة 3،9 بالمائة. ويومها شكلت الأموال التي صرفت للائتلاف "5 مليار شيكل" ومعظمها ذهبت ل "الحريديم والصهيونية الدينية" نقطة خلاف، اعتبرتها ما سميت بالمعارضة "أكبر سرقة في تاريخ إسرائيل". فيما اعتبرته المستشارة القانونية للحكومة "جالي بهاراف" ب "أنّ تحويل الأموال للحريديم غير قانوني ويجب وقفه" على خلفية زيادة مئات ملايين الشواكل ل "الحريديم". فيما وصف وزير المالية "سموتريتش" إقرار الموازنة "نقطة تحول تاريخي تركز على الأمن والاقتصاد".
4. الهجرة العكسية وتآكل رأس المال البشري. إنّ أخطر ما يعانيه الكيان في سياق التهديدات الداخلية هو الهجرة المعاكسة، وهم رأس مال هذا الكيان، الذي شهد هجرة 82 ألف منذ عام 2023، وما يقاربهم في العام 2024، معظمهم من الشباب والمتعلمين والأكاديميين والعاملين في قطاع التكنولوجيا "الهايتك الذي يشكل 50 بالمائة من صادرات الكيان"، حيث انخفضت نسبة العاملين فيه إلى 9،2 بالمائة منذ العام 2023، ويعتبر هذا الانخفاض ليس هجرة نهائية، أي المغادرة لسنة أو سنتين ومنهم من غادر شركاتهم للخارج. واليوم 23 بالمائة من كبار المدراء العامين في الهايتك موجودين في أمريكا. ومن جهة ثانية أفادت 35 بالمائة من شركات التكنولوجيا أنّ طلبات النقل للعمل في الخارج قد زادت بشكل ملحوظ في العام 2025. وهنا التركيز على أنّ الفجوة الديمغرافية، حيث بين عامي 2020 و2025 غادر 145،900 وهذا العدد أكبر من الذين عادوا للكيان.
5. القضية الفلسطينية وعدم إيجاد حل لها مع الإصرار على عمليات الضم للضفة الغربية وإعادة احتلال قطاع غزة. فهي أي القضية الفلسطينية ستبقى كما وصفت على أنها مصدر للتهديد طويل الأمد. فإن الكيان سيتحول إلى دولة ثنائية القومية. الأمر الذي وعلى المدى الاستراتيجي سيهدد ما يعمل عليه الكيان في ترسيخ الطابع اليهودي للكيان "يهودية الدولة"، وحتى طابعها الديمغرافي. وستظهر الكيان حينئذ على أنه غير ديمقراطي عندما يتجاهل ويدير الظهر لحقوق الفلسطينيين السياسية والمواطنة.